||

السيطرة باستغلال الضعف

5 مايو، 2022

ضيف الله نافع الحربي

تتفاوت الطرق التي يسلكها الأشخاص لإثبات الوجود واحتلال مكانة يعتقدون أنها توافق ما يطمحون له وتتوافق مع الهوية النفسية والوجدانية الخفية لصاحبها و التي لايُعرف عنها شيء من قِبل المحيطين به أو المتعاملين معه وهنا مربط المُشكلة ومنبعها ، فالإنسان بطبعه يميل إلى حُب السيطرة بقدر متفاوت من شخص لآخر ما بين ميل طبيعي في حدود ( اللا ضرر) و تسلط منبوذ وفرض مرفوض يصل حد الرغبة في التملك التام والإخصاع القسري المؤدي لطمس وجود الآخر ، ليبقى المُمارس لهذا السلوك ( العدواني في بعض حالاته ودرجاته) بعيدًا كل البعد عن إنسانيته ، يدفعه ليُشهر سيف رغباته المتجاوزة لحدود المعقول ، يبطش هُنا ويُقصي هناك ، يُصادر رأي هذا و يحرم ذاك من حقوقه المقررة له شرعًا ونظامًا دون وضع أي اعتبار لحقوق الناس في أنفسهم وامتلاكهم قراراتهم وتحديد مصيرهم ، والسبب أن من يقوم بذلك تجاوز الفطرة و شذ شذوذًا فكريًا أرداه متخلفًا في عالم ضاق ذرعًا بأمثاله و لم يعد يتسع إلا للعقل والمنطق .

وحين نغوص في عمق المعنى ، نجد أن السيطرة والاستغلال وجهان لمفهوم واحد ، فالسيطرة كسلوك لايمكن أن تتم إلا برضوخ طرف للآخر ، وهنا ينشأ الاستغلال ويتحول السلوك إلى ممارسة عملية على أرض الواقع في مشهد إنساني قبيح تتراكم خلاله خسائر الطرف الأضعف حتى لايبقى له شيء ، وما يؤسف حقًا أن الاستغلال أصبح لُغة يتحدث بها عدد غير قليل سواءً على مستوى الأفراد أو حتى الكيانات الأكبر كالدول مثلًا وهنا يتسع الضرر وتتضاعف الخسائر القيمية ، فعلى مستوى الدول أصبح الاستغلال استثمارًا كما تفعل دول كثيرة ومنها الصين على سبيل المثال ( وقد ضربت في هذا المجال أقبح الأمثلة ) فالصين عُرف عنها أنها تستثمر البنى التحتية في الدول الأكثر فقرًا و العاجزة عن إنشاء المشاريع الأساسية مثل بعض الدول الأفريقية ودول وسط آسيا ، حيث تنشئ (الطرقات أو المشاريع الحيوية مثلاً ) مقابل استثمارها لعقود طويلة تفوق تكلفتها عشرات المرات لتمرر خلال تلك الفترة الكثير من المآرب السياسية والثقافية التي قد تلحق الضرر بتلك الدول الضعيفة التي تم استغلال ضعفها لبسط السيطرة .

أما على مستوى الأشخاص ، كم من صور قبيحة من الاستغلال المتوحش قادها أنصاف بشر ، جعلت من الإنسان أقل قيمًا و أهزل مبادئ لا يتوانى عن قمع أحلام الضعفاء وسلبهم حقوقهم وإخضاعهم لرغباته ، دون رادع من ضمير ، متجاهلاً أن الضعيف حقًا هو من يستغل الضعف ليبني له مجدًا من الوهم ، ومن الشواهد على ذلك قصص خلف الجدران عمرها تجاوز العقود من الاضطهاد والقمع والتحقير والتهميش لمجرد أن الطرف الآخر زوجة عاجزة عن الدفاع عن حقها ، وفي صورة أُخرى لاتقل قبحًا كم من ابتزاز تتصاعد نيرانه لمجرد أن لئيم استغل خطأ إنسان أضعفه ذلك الجرم فسلم مصيره لعابث لا يرحم ، وكم من عاجز عن سداد دينه وقع بيد من استغل عجزه فضيّق عليه وربما ضاعف ديونه ليبتغي من وراء ذلك مكسب أكبر من مستحقاته مقابل التنازل عنه ، ولو كان المقام يتسع لمزيد من تلك الصور المؤلمة لفاض القلم وضاقت الأوراق ، وما هذا إلا يسيرٌ من كثير أساليب السيطرة باستغلال الضعف وبئس ما يفعلون ، ولأن الجرح غائر فالعلاج قد يحتاج وقت ومهارة عالية في التوجيه والتوعية والدعم لأولئك الضعفاء حتى لا نصنع مجتمع بلارحمة ، أو نصمت عن مُستغل لايرى إلا رغباته فيتفاقم بطشه ويشتد ساعد ظلمه .

همسة :
استسلام الضعيف والعاجز لمن يستغله وإن كان أقرب الناس له جريمة بحق نفسه ، وليدرك أولئك أن بين الضعف والقوة ثقة بالله وبالنفس و رغبة صادقة في دفع الأذى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

21 مايو، 2026
القصة السعودية في الحج

ضيف الله نافع الحربي  أيام...

14 مايو، 2026
الاحباط وصناعة المشاعر السامة

ضيف الله نافع الحربي استعداد...

7 مايو، 2026
القرار العاطفي الذكي

ضيف الله نافع الحربي  ليس...

30 أبريل، 2026
الرؤية: أثر ونتيجة ووطن مطمئن…

ضيف الله نافع الحربي  حين...