||
ضيف الله نافع الحربي
تتفاوت الطرق التي يسلكها الأشخاص لإثبات الوجود واحتلال مكانة يعتقدون أنها توافق ما يطمحون له وتتوافق مع الهوية النفسية والوجدانية الخفية لصاحبها و التي لايُعرف عنها شيء من قِبل المحيطين به أو المتعاملين معه وهنا مربط المُشكلة ومنبعها ، فالإنسان بطبعه يميل إلى حُب السيطرة بقدر متفاوت من شخص لآخر ما بين ميل طبيعي في حدود ( اللا ضرر) و تسلط منبوذ وفرض مرفوض يصل حد الرغبة في التملك التام والإخصاع القسري المؤدي لطمس وجود الآخر ، ليبقى المُمارس لهذا السلوك ( العدواني في بعض حالاته ودرجاته) بعيدًا كل البعد عن إنسانيته ، يدفعه ليُشهر سيف رغباته المتجاوزة لحدود المعقول ، يبطش هُنا ويُقصي هناك ، يُصادر رأي هذا و يحرم ذاك من حقوقه المقررة له شرعًا ونظامًا دون وضع أي اعتبار لحقوق الناس في أنفسهم وامتلاكهم قراراتهم وتحديد مصيرهم ، والسبب أن من يقوم بذلك تجاوز الفطرة و شذ شذوذًا فكريًا أرداه متخلفًا في عالم ضاق ذرعًا بأمثاله و لم يعد يتسع إلا للعقل والمنطق .
وحين نغوص في عمق المعنى ، نجد أن السيطرة والاستغلال وجهان لمفهوم واحد ، فالسيطرة كسلوك لايمكن أن تتم إلا برضوخ طرف للآخر ، وهنا ينشأ الاستغلال ويتحول السلوك إلى ممارسة عملية على أرض الواقع في مشهد إنساني قبيح تتراكم خلاله خسائر الطرف الأضعف حتى لايبقى له شيء ، وما يؤسف حقًا أن الاستغلال أصبح لُغة يتحدث بها عدد غير قليل سواءً على مستوى الأفراد أو حتى الكيانات الأكبر كالدول مثلًا وهنا يتسع الضرر وتتضاعف الخسائر القيمية ، فعلى مستوى الدول أصبح الاستغلال استثمارًا كما تفعل دول كثيرة ومنها الصين على سبيل المثال ( وقد ضربت في هذا المجال أقبح الأمثلة ) فالصين عُرف عنها أنها تستثمر البنى التحتية في الدول الأكثر فقرًا و العاجزة عن إنشاء المشاريع الأساسية مثل بعض الدول الأفريقية ودول وسط آسيا ، حيث تنشئ (الطرقات أو المشاريع الحيوية مثلاً ) مقابل استثمارها لعقود طويلة تفوق تكلفتها عشرات المرات لتمرر خلال تلك الفترة الكثير من المآرب السياسية والثقافية التي قد تلحق الضرر بتلك الدول الضعيفة التي تم استغلال ضعفها لبسط السيطرة .
أما على مستوى الأشخاص ، كم من صور قبيحة من الاستغلال المتوحش قادها أنصاف بشر ، جعلت من الإنسان أقل قيمًا و أهزل مبادئ لا يتوانى عن قمع أحلام الضعفاء وسلبهم حقوقهم وإخضاعهم لرغباته ، دون رادع من ضمير ، متجاهلاً أن الضعيف حقًا هو من يستغل الضعف ليبني له مجدًا من الوهم ، ومن الشواهد على ذلك قصص خلف الجدران عمرها تجاوز العقود من الاضطهاد والقمع والتحقير والتهميش لمجرد أن الطرف الآخر زوجة عاجزة عن الدفاع عن حقها ، وفي صورة أُخرى لاتقل قبحًا كم من ابتزاز تتصاعد نيرانه لمجرد أن لئيم استغل خطأ إنسان أضعفه ذلك الجرم فسلم مصيره لعابث لا يرحم ، وكم من عاجز عن سداد دينه وقع بيد من استغل عجزه فضيّق عليه وربما ضاعف ديونه ليبتغي من وراء ذلك مكسب أكبر من مستحقاته مقابل التنازل عنه ، ولو كان المقام يتسع لمزيد من تلك الصور المؤلمة لفاض القلم وضاقت الأوراق ، وما هذا إلا يسيرٌ من كثير أساليب السيطرة باستغلال الضعف وبئس ما يفعلون ، ولأن الجرح غائر فالعلاج قد يحتاج وقت ومهارة عالية في التوجيه والتوعية والدعم لأولئك الضعفاء حتى لا نصنع مجتمع بلارحمة ، أو نصمت عن مُستغل لايرى إلا رغباته فيتفاقم بطشه ويشتد ساعد ظلمه .
همسة :
استسلام الضعيف والعاجز لمن يستغله وإن كان أقرب الناس له جريمة بحق نفسه ، وليدرك أولئك أن بين الضعف والقوة ثقة بالله وبالنفس و رغبة صادقة في دفع الأذى .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020