||
أشواق شتيوي
ASHWAG_SHETEWI@
في كل مرحلة تاريخية يمر بها الإنسان، تظهر حقيقة عميقة تكاد تكون قانونًا ثابتًا: المجتمعات لا تنهض إلا عندما تُصلح طريقة تفكيرها.
فالأزمات الكبرى التي تعيشها الأمم لا تنبع غالبًا من نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل من اختلال في بنية العقل الذي يفسر العالم ويصنع القرار ويمنح المعنى للأفعال.
ومن هنا تنبع أهمية ما يمكن تسميته بـمشروع إصلاح العقل؛ وهو مشروع يتجاوز حدود التعليم أو الثقافة إلى إعادة بناء العلاقة بين الفكر والعاطفة والوعي.
العقل ليس مجرد أداة للحساب أو الاستدلال، بل هو المصفاة التي تمر عبرها التجارب، والمختبر الذي تتشكل فيه المعاني.
وكل فكرة تدخل هذا المختبر لا تبقى فكرة مجردة؛ بل تتحول تدريجيًا إلى حالة وجدانية تؤثر في نظرة الإنسان للعالم. ولهذا فإن الأفكار ليست بريئة دائمًا، لأنها تملك القدرة على إعادة تشكيل العاطفة، والعاطفة بدورها تعيد توجيه الفكر في دائرة متبادلة من التأثير.
عندما تكون الأفكار واضحة ومنظمة وقائمة على الفهم العميق للعالم، فإنها تولّد عاطفة متزنة: ثقة بالنفس، قدرة على الفهم، واستعداد للتعايش مع التعقيد. أما عندما تتشكل الأفكار في بيئة يغيب عنها التحليل وتسيطر عليها الانطباعات السريعة والاختزالات، فإنها تتحول إلى بذور لاضطراب وجداني؛ خوف غير مبرر، غضب متراكم، أو شعور دائم بالتهديد.
وهنا يظهر الخطر الحقيقي: الفكرة المضللة لا تبقى فكرة، بل تتحول إلى عاطفة، ثم إلى طاقة اجتماعية.
فعندما تتكرر فكرة ما داخل الوعي الجمعي خصوصًا إذا كانت مبنية على تبسيط مخلّ أو تفسير مؤامراتي للعالم فإنها تبدأ بإعادة تشكيل الحس العاطفي للمجتمع. ومع الوقت يصبح الانفعال الجماعي أقوى من القدرة على التفكير. عند هذه النقطة تتحول العاطفة من كونها عنصرًا إنسانيًا طبيعيًا إلى محرك خفي للسلوك الجمعي.
الكراهية مثال واضح على ذلك.
فهي لا تولد عادة من تجربة مباشرة، بل من سلسلة أفكار تُبنى بعناية داخل المخيال الجماعي: صورة مشوهة عن الآخر، تفسير أحادي للأحداث، وتكرار مستمر لرواية واحدة عن الواقع.
ومع تكرار هذه الأفكار تبدأ العاطفة بالتشكل، ثم تتحول الكراهية إلى قوة نفسية كثيفة، قادرة على تعبئة الجماعات ودفعها نحو سلوك تدميري.
وهكذا تصبح الفكرة شرارة، والعاطفة وقودًا، والمجتمع مسرحًا للاشتعال.
إن أخطر ما في هذه العملية ليس العنف الظاهر، بل التحول الخفي في بنية الوجدان.
فحين تتغذى العاطفة على أفكار مشوهة، يصبح الإنسان مقتنعًا بأنه يدافع عن الحقيقة، بينما هو في الواقع أسير صورة ذهنية صنعتها روايات ناقصة أو مضللة.
وفي هذه اللحظة يفقد العقل قدرته النقدية، ويتحول إلى أداة لتبرير الانفعال بدل أن يكون قوة لتنظيمه.
من هنا تظهر أهمية مشروع إصلاح العقل بوصفه مشروعًا وقائيًا قبل أن يكون علاجيًا.
فالمقصود بإصلاح العقل ليس مجرد تعليم التفكير المنطقي، بل تدريب الوعي على ملاحظة العلاقة العميقة بين الفكرة والعاطفة.
لأن الفكرة التي لا تُفهم جيدًا يمكن أن تتحول إلى شعور، والشعور إذا لم يُفهم يمكن أن يتحول إلى اندفاع.
إصلاح العقل يعني أولًا تفكيك الأفكار قبل تبنيها، أي إخضاعها لأسئلة المعرفة:
من أين جاءت؟
ما الأدلة التي تدعمها؟
هل تفسر الواقع أم تبسطه بشكل مضلل؟
وعندما يتعلم العقل هذه الممارسة النقدية، فإنه لا يمنع العاطفة، بل يعيد توجيهها.
فالعاطفة ليست خصم العقل، بل طاقته الحيوية.
غير أن هذه الطاقة تحتاج إلى فهم يوجهها، وإلا تحولت إلى قوة عمياء.
إن المجتمع الذي ينجح في بناء هذا التوازن يصبح أكثر قدرة على مقاومة خطاب الكراهية، لأن أفراده لا يتفاعلون مع الأفكار بوصفها حقائق جاهزة، بل كمقترحات تحتاج إلى فحص.
وفي هذه الحالة تفقد الدعوات التدميرية قدرتها على الانتشار، لأن الوعي الجمعي يملك مناعة فكرية تمنع تحول الفكرة إلى انفعال جماعي غير قابل للضبط.
إن مشروع إصلاح العقل، في جوهره، هو مشروع لإعادة بناء الإنسان من الداخل.
فحين يصبح الفكر أكثر وضوحًا، تصبح العاطفة أكثر اتزانًا، وحين يتوازن الاثنان يتشكل وجدان قادر على الفهم بدل العداء، وعلى البناء بدل التدمير.
فالمجتمع الذي ينجح في إصلاح عقله لا يكتفي بتغيير أفكاره، بل يغير نوع الطاقة التي تسكن وجدانه. وعندها فقط تتحول المعرفة من مجرد معلومات إلى قوة حضارية قادرة على حماية الإنسان من نفسه قبل أن تحميه من العالم…
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020