||
ماجد السريحي
لم تكن مواجهة المنتخب المصري الأخيرة على بساط ملعب “الجوهرة المشعة” بجدة مجرد محطة عابرة، بل جاءت بمثابة “مكاشفة فنية” صادمة وضعت مشروع المنتخب السعودي أمام مرآة الحقيقة قبل 75 يوماً فقط من المعترك العالمي. السقوط الرباعي المدوي (4-0) لم يخدش النتيجة الرقمية فحسب، بل كشف عن تصدعات عميقة في “بنية الثقة” التي شُيّدت بعناية عقب ملحمة لوسيل. إن المسافة الفاصلة بين “نشوة الانتصار التاريخي” و”مرارة واقعة جدة” تفرض تشريحاً بنيوياً يتجاوز لغة المسكنات العاطفية إلى صرامة التحليل التقني.
أولاً: معضلة “الاستحواذ الصامت” وغياب الفاعلية
تكشف لغة الأرقام في مواجهة المنتخب المصري عن انفصام تكتيكي حاد؛ فبينما حقق المنتخب السعودي إعجازه التاريخي أمام الأرجنتين بنسبة استحواذ لم تتجاوز 31%، ارتفعت هذه النسبة في مواجهة جدة لتصل إلى 57%. بيد أن هذا التضخم ظل “صامتاً” وعقيماً؛ حيث عجز الفريق عن تحويل السيطرة الميدانية إلى اختراق عمودي، لتستقر كفاءة التهديف عند 0% من أصل 11 محاولة هجومية، مما يطرح تساؤلاً حول جدوى الفلسفة الحالية أمام المنتخبات المنظمة.
ثانياً: الترهل الدفاعي.. ضريبة “صدأ الدكة”
تشير الإحصاءات الفنية إلى أن 65% من القائمة الوطنية تعاني مما يصطلح عليه بـ “خمول التنافس” نتيجة بقائهم في صفوف الاحتياط لفترات طويلة في أنديتهم. هذا الغياب أفرز ندوباً فنية واضحة:
تراخي الارتداد: استغرق التحول الدفاعي 7 ثوانٍ كاملة، وهي فجوة زمنية انتحارية (بفارق سلبي 3 ثوانٍ عن معدل مونديال 2022).
الهشاشة الذهنية: سجل المنتخب المصري أهدافه من 5 تسديدات فقط على المرمى، مما يعكس خللاً في التمركز الدفاعي بنسبة تجاوزت 80%.
ثالثاً: “الأصالة الكروية”.. العودة إلى المناجم الاستراتيجية
أمام حالة الركود الفني، يبرز التوجه نحو الرياضة المدرسية والجامعية كضرورة استراتيجية لضخ دماء جديدة. إن العودة إلى هذه المحاضن تضمن استعادة “الأصالة الكروية” والموهبة الخام، مما يرفع قاعدة الممارسين بنسبة 40%. اللاعب الجامعي يمتلك وعياً وثقافة بدنية كفيلة بسد الفجوات التي تركها “نجوم الدكة” وكسر القوالب التكتيكية الجامدة.
رابعاً: الوجدان الوطني والقوة الناعمة
لقد تجاوز المنتخب السعودي مفهوم “الرياضة للتسلية”، ليصبح وجداناً وطنياً يعكس طموحات “رؤية المملكة 2030” وقوتها الناعمة. استعادة هيبة الصقور هي “مهمة وطنية بامتياز” تتطلب استحضار روح القتال والواقعية التكتيكية الصارمة التي لا تجامل أحداً على حساب الشعار.
خامساً: خارطة الطريق.. خمس ركائز للمعالجة
للخروج من نفق “رباعية جدة” والتحليق مجدداً، تبرز خمس ركائز لـ المعالجة الفنية العاجلة:
بروتوكول الجاهزية: رفع معدل الدقائق التنافسية للاعبين الدوليين بعيداً عن حسابات الأندية.
ترميم العمق الدفاعي: سد ثغرات التمركز وضبط المسافات التي استغلها المنتخب المصري.
تجديد الدماء: الجرأة في استدعاء مواهب الجامعات لبث روح الشغف التنافسي.
منهجية الفاعلية: التحول إلى الكرة المباشرة وسرعة التنفيذ في الثلث الأخير.
الترميم السيكولوجي: إعادة بناء عقلية الانتصارات وفصل اللاعبين عن تداعيات الخسارة.
على أعتاب التحدي:
إن تشخيص الواقع بمرارة هو أولى عتبات الاستدراك؛ ورباعية جدة قد تكون “الصدمة التكتيكية” الضرورية لإيقاظ الصقور قبل 75 يوماً من صافرة المونديال. فالبطولة لا يحترم إلا الجاهزين بدنياً واليقظين ذهنيًا، ويبقى الرهان قائماً على قدرة المنتخب السعودي على تحويل “ألم جدة” إلى “أمل مونديالي” تحت شعار #معاك_يالأخضر.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020