||
مطر آل عاطف
@INTERES03845657
تعمقت مؤخرا في نظرة شعوب العالم للموت ولم تسترح نفسي ولله الحمد إلا لنظرة المسلمين الواقعية و المنطقية للموت فالله الذي خلق كل شيء و هدى بقدرته اللامحدودة والتي بطبيعة الحال تجهلها عقولنا البشرية الضيقة لاشك أنه مقتدر على إعادة الخلق من جديد و بعثه وهذه ليست هرطقة بقدر ما هي تمخضات منطقية صرف بالنسبة للعقل المحايد تزعم وكالات الفضاء أن البشر اليوم وصلوا بالتصوير فقط للكون المرصود ٩٣ مليار سنة ضوئية ففي خريطة cosmos المحدثة و هي أكبر خريطة محدثة للكون المبكر عدت 800000 مجرة حولنا ويزعمون أنهم غطوا 98 % من عمر الكون و سألت الذكاء الاصطناعي عن عدد السنوات الضوئية التي رصدها منظار هابل وكانت الإجابة ١٣ مليار سنة ضوئية، الآن خالق هذا الكون الذي لم نعرف عنه إلا القليل جدا لو جاء و قال لدي جنة و نار وبعث و حساب هل ستصدق! بالطبع المسلم الذي على الفطرة سيصدق فورا فالذي قدر على خلق كل هذا قادر على خلق ما هو أكبر و أحسن و من اسماء الله الودود الذي يتودد لعبادة بالرسالات و الأنبياء لأنه غني عن تعذيبهم كل ما عليك كإنسان أن تتبع النبي الذي أرسل إليك ولا يبغي أجرا منك ولا من غيرك فأجره على الله خالق كل شيء و مليكه وهو ولي الذين آمنوا ولن يضيع أجر من أحسن عملا فالذي قدر على أن يبقي الكواكب و المجرات تسير في دوائر معينة ولا يختلط بعضها ببعض قدير على إفنائها في آخر الزمن وقد خلق الله الشمس والقمر لنا كبشر كي ننتفع بهما و نعرف الوقت لأداء الصلاة و لتستفيد النباتات بضوء الشمس للنمو لنأكل نحن والأنعام على الأرض وإلا فربنا غني عن هذه المؤقتات كلها فهو خالق الزمان والمكان .
ابتدئ بالنظرة الغربية المادية التي نراها وليس نظرة المتدينين كالقساوسة و رجال الدين ارى في مآتمهم تفطر للقلوب غير طبيعي وكأن الميت اتجه لجدار نهائي بعده الفناء المطلق ولذلك تجد عندهم فرائد عجيبة تضع العقل في الكف مثل عمليات التجميل أو حتى تجميد الأجساد بالنيتروجين (Cryonics) على أمل أن يحييهم العلم يوماً ما لأنهم يرونه النهاية بعده لا شيء، فأسوأ ما وصل إليه الغرب الأقصى برأيي هو التشييء Objectification وهذا أقصى درجات المادية يتم التعامل مع الجسد كسلعة.
وصلوا ما يسمى بصناعة الموت التي تدر الملايين على مشتغليها تجميل الجثة، توابيت فاخرة، طقوس مظهرية.
الهروب من الحقيقة يحاولون جعل الميت يبدو وكأنه “نائم” باستخدام المكياج؛ لأن الحقيقة المادية للموت (التحلل والتراب) قاسية جداً على عقل لا يؤمن بما وراء المادة.
بالنسبة لمن لا يؤمن بالبعث، الموت هو “العدم”. هذا يجعل الفقد شديد الوطأة، لأنه “وداع نهائي” لذا تجد التركيز لديهم على “تخليد الذكرى” (Memorialization)؛ ببناء التماثيل، أو تسمية الشوارع، أو كتابة السير الذاتية، كأنهم يحاولون استبقاء الشخص في الدنيا ولو كفكرة، لأنهم لا يملكون يقيناً بوجوده في مكان آخر.
أما الشرق الأقصى فرؤيتهم متصالحة نوعا ما مع الموت ولكن لا يوجد عندهم بعث أيضا خصوصا معتنقي الطاوية في اليابان و البوذية في شبه القارة الهندية
إذا كان الغرب يرى الموت جداراً، والمسلم يراه بوابة، فإن أهل الشرق الأقصى يرونه نهراً يعود ليصب في المحيط، الموت كجزء من دورة الطبيعة ولكنهم ابتدعوا عبادة خيالية إلا وهي عبادة أرواح الأسلاف فالميت عندهم لا يرحل أبدا يعتقدون أن روح المتوفى تظل موجودة حول العائلة، تحميهم وتراقبهم الميت لديهم ليس غائباً، بل هو فرد صامت في الأسرة تجد في بيوتهم (خاصة في اليابان والصين) مذبحاً صغيراً فيه صور الأجداد، يضعون أمامه الطعام والشراب يومياً هم لا يوشمون أسماءهم كما يفعل الغربيون، بل يعيشون معهم يومياً، الموت في حد ذاته ليس مصيبة، بل المصيبة هي الموت بطريقة مُشينة.
في ثقافة البوشيدو (طريق المحارب)، كان الساموراي يتدرب على تخيل موته كل صباح بالتالي الموت حاضر في حياة أهل الشرق الأقصى.
يظهر لك عزيزي القارئ أن المسلمين اليوم هم الوحيدون الموحدون و غيرهم إما بين إفراط و تفريط ولذلك لا توجد ملة اليوم يقوم الإبن بالتصدق عن والده سوى لدينا ولا يمارس الشعائر الدينية كالحج و العمرة عن الوالدين المتوفين كما لدينا ولله الحمد لان أصل ديننا ثقيل ولله الحمد الموت عند المسلم هو بوابة للبرزخ و البرزخ بوابة لما وراءه من لقاء الله فالرب الذي خلق الكون قال جل من قائل:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ.
كل ما اكتشفه العلم في مجرتنا وما حولنا أخبرنا الله بعلمه الأزلي السرمدي القديم أنه سيزول و يتناثر من عناقيد المجرات وبعدها من صمم هذا الكون وخلق كل شيء سيأتي بالشمس و القمر و الشعرى اليمانية أمام من كانوا يعبدونها من دون الله ويقذف بهم في النار ليتبين الذين كفروا يوم لا ينفع الندم وليزداد الذين آمنوا إيماناً.
والعاقل من عقل بما أنك كمسلم صدقت بأن الله خالق كل شيء و رأيت عِظَمَ مخلوقاته و حجم التعقيد الخلقي في المخلوقات الصغيرة خصوصاً واخبرك الإله جل جلاله أنه كما خلق سيجمع الأولين و الآخرين لميقات يوم معلوم يقول أبو العتاهية رحمه الله:
نَعَت نَفسَها الدُنيا إِلَينا فَأَسمَعَت
وَنادَت أَلا جَدَّ الرَحيلُ وَوَدَّعَت
عَلى الناسِ بِالتَسليمِ وَالبِرِّ وَالرِضا
فَما ضاقَتِ الحالاتُ حَتّى تَوَسَّعَت
وَكَم مِن مُنىً لِلنَفسِ قَد ظَفِرَت بِها
فَحَنَّت إِلى ما فَوقَها وَتَطَلَّعَت
سَلامٌ عَلى أَهلِ القُبورِ أَحِبَّتي
وَإِن خَلُقَت أَسبابُهُم وَتَقَطَّعَت
فَما مُوِّتَ الأَحياءُ إِلّا لِيُبعَثوا
وَإِلّا لِتُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما سَعَت.
المسلم باختصار لديه مرجعية حقيقية منطقية لا تصادم العقل أبدا في تصديقه محمد صلى الله عليه وسلم و أن حقوق الله و حقوق العباد قطعا سيُسأل عنها فهو لا ينتمي للإفراط الشرقي ولا للتفريط الغربي بل هو كما وصفه الله:
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
المسلم بين الخوف و الرجاء و يكفي أركان الإيمان التي نحفظها منذ الصف الأول الابتدائي وفيها الإيمان بالقدر خيره وشره فالموت شر ولكنه شر لا بد منه والشر الذي يقربك من رحاب الله الرؤوف الرحيم ليس بشر بل هو نعمة و قرب من موعد دخول الجنة إن شاء الله والحصول على ما أحب أن اسميه بيني و بين نفسي النِعَم الثلاث رضوان الله أولا و لقائه و النظر لوجهه الكريم و الثالثة هي مجاورة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل.
نسأل الله أن يجمل حالنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى بقلب سليم وأن يجعلنا ممن يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020