||
ماجد عبدالله السريحي
في المشهد العالمي المعاصر، لم تعد الحروب تُخاض فقط بأزيز الطائرات أو تحركات الفيالق العسكرية؛ بل انتقلت إلى فضاءات أكثر تعقيداً وأشد نفاذاً: فضاء المعلومات. نحن نعيش رسمياً عصر “الحروب المعلوماتية”، حيث لم تعد المعلومة مجرد تدفق للبيانات، بل استقالت من دورها التقليدي لتصبح “سلاحاً” استراتيجياً قادراً على صياغة الوعي الجمعي، أو تقويض الاستقرار الوطني من الداخل.
خوارزميات الإقصاء واستهداف “الصوت الوطني”
ما يواجهه المدافعون عن المملكة العربية السعودية في منصات التواصل الاجتماعي العالمية ليس مجرد اختلافات عابرة في وجهات النظر، بل هو استهداف ممنهج تديره خوارزميات صُممت في بيئات قد تتقاطع أجنداتها مع مصالحنا الوطنية ( أقصد بهذا المفهوم تلك النقطة التي تلتقي فيها المصالح البرمجية للشركات الكبرى مع التوجهات الخارجية للدول التي تنطلق منها تلك المنصات. هذا التقاطع يؤدي بالضرورة إلى تغليب رؤى معينة على حساب مواقفنا الوطنية، مما يجعل من “الريادة الرقمية” خياراً استراتيجياً لفك هذا الارتباط وحماية وعينا الجمعي )
إن لجوء هذه المنصات لتقنيات مثل “حجب الظل” (Shadow Banning) ضد الرواية الوطنية، في مقابل تضخيم المحتوى المضلل، يستوجب منا دق ناقوس الخطر؛ فالأمن الإعلامي اليوم هو الركيزة الموازية للأمن العسكري، وبقدر ما ننجح في تحصين فضائنا الرقمي، بقدر ما نصون جبهتنا الداخلية.
وهم الحياد والتبعية الرقمية
وفي هذا السياق، لابد من تحطيم أسطورة “الحياد التقني” التي تروج لها الشركات الكبرى؛ حيث يقول المنظر الاستراتيجي إيفجيني موروزوف (Evgeny Morozov) في كتابه “الخداع الصافي”:
> “إن الاعتقاد بأن منصات التواصل الاجتماعي هي فضاءات محايدة هو وهم كبير. هذه المنصات تُصمم وفقاً لقيم وأجندات الشركات والدول التي انطلقت منها. عندما تتعارض مصلحة الدولة المستضيفة للمستخدم مع مصلحة المنصة، فإن الغلبة تكون للمنصة. لذا، فإن إنشاء بدائل وطنية هو السبيل الوحيد لضمان أن يكون الولاء الرقمي متسقاً مع الولاء الوطني، بعيداً عن ضغوط الأجندات العابرة للحدود.”
>
خارطة الطريق نحو الريادة الرقمية
إن حماية الوعي الوطني تستدعي الانتقال من مرحلة “الدفاع ورد الفعل” إلى مرحلة “الريادة والتمكين”، وذلك عبر مسارين متوازيين:
🔷 بناء الحصون الوطنية: إن تسريع إنشاء منصات تواصل اجتماعي سعودية، بهوية عالمية ومعايير تقنية متفوقة، ليس “ترفاً تقنياً”، بل ضرورة أمنية تضمن استقلالية السردية الوطنية وحمايتها من مقص الرقيب الخارجي. إن الريادة الرقمية تبدأ من امتلاكنا للمجال الذي نتحرك فيه؛ فالاعتماد الكلي على المنصات الدولية يشبه السكن في “منزل مستأجر” يملك صاحبه حق تقييد حركتك في أي لحظة.
🔷المأسسة والحماية الرسمية: ضرورة وضع أطر تنظيمية جادة لحماية الأصوات السعودية المؤثرة، وتوفير مظلة قانونية ومعلوماتية تضمن عدم تغييب موقفهم الوطني قسراً من المشهد الرقمي العالمي، وتقديم الدعم اللوجستي لهم كحائط صد منيع أمام محاولات الإسكات الممنهجة.
خاتمة: عيون سعودية لطموح عالمي
إننا لا ندعو للانعزال؛ فالانسحاب من الميادين الدولية ليس حلاً في ظل صراع القوى الناعمة، لكن “البديل الوطني” هو صمام الأمان والرهان الرابح. إن الريادة الرقمية هي الحصن الذي يحمي عقول أجيالنا، وامتلاكنا للمنصة هو الضمان الوحيد ليبقى صوت الحق السعودي مسموعاً ومصوناً. آن الأوان لنرى العالم ويرانا العالم “بعيون سعودية”، من خلال منصات تصنعها أيدينا، وتحميها قيمنا، ويقودها طموح لا يحده إلا السماء.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020