||
عمرو بسيوني
@aabasuony
أحاول غالبًا أن أبتعد في كتاباتي عن السياسة؛ ليس لأنني لا أتابعها، بل لأنني أميل أكثر إلى الكتابة عن الإنسان وقصصه وحياته اليومية. لكن الواقع اليوم يقول إن السياسة أصبحت تؤثر في كل شيء من حولنا: في الاقتصاد، وفي الإعلام، وحتى في تفاصيل حياة الناس. وما تمر به الدول الخليجية من ظروف جعل هذا المشهد حاضرًا بقوة؛ ليس فقط كخبر سياسي، بل كموقف إنساني يكشف معادن الدول عندما تشتد الأزمات. وفي هذا المشهد برزت المملكة العربية السعودية مرة أخرى بوصفها الأخ الأكبر للدول الخليجية؛ تقف ثابتة عندما تضطرب الظروف، ومهما أخطأ الأشقاء أو تعثرت خطواتهم تبقى حاضرة توجه وتوضح الطريق ولا تتركهم وحدهم. وقد شاهدنا في المنصات الرقمية مقاطع كثيرة لأشخاص من دول خليجية وعربية وجدوا أنفسهم عالقين داخل المملكة، وكيف كان التعامل معهم بروح الأخوة والكرم. ثم جاءت المكرمة الملكية التي أكدت أنهم «ضيوف الملك». عبارة قصيرة، لكنها كبيرة في معناها؛ فقد تحولت إلى أفعال واضحة: سكن كريم في الفنادق، تنظيم للتنقلات، سيارات خاصة لنقلهم، وترتيبات حتى يصلوا إلى بلدانهم بأمان. بل وصل الأمر إلى تخصيص أحد المطارات لخدمة دولة خليجية شقيقة، حتى تنتهي الأزمة. فالسعودية، عبر تاريخها، لم تكن مجرد دولة قوية في المنطقة؛ بل دولة مواقف: تقف عندما يتردد الآخرون، وتتحمل المسؤولية عندما يبتعد البعض.
واللافت في هذا المشهد ليس فقط ما قدمته المملكة، بل ما ظهر في وجوه الناس وكلماتهم. فقد امتلأت منصات التواصل بكلمات الشكر والامتنان؛ من أشخاص تحدثوا بصدق عن تعامل راقٍ وإنساني شعروا فيه بالأمان وكأنهم بين أهلهم. تلك اللحظات تختصر معنى القيادة الحقيقية والمسؤولية تجاه الأشقاء؛ مواقف واضحة، وكلمة صريحة، وباب مفتوح لا يُغلق في أوقات الشدة. ولهذا ليس غريبًا أن تظهر هذه الصورة حتى في بعض الوثائق السياسية الغربية؛ فقد كشفت مراسلات دبلوماسية أمريكية أُفرج عنها ضمن رسائل وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن السعوديين معروفون بوضوح مواقفهم السياسية، وأنهم عندما يقولون «لا» يقولونها بوضوح وصراحة. وهذه الصراحة ليست مجرد أسلوب سياسي؛ بل تعكس طبيعة دولة اعتادت أن تكون ثابتة وواضحة في مواقفها.
وفي مثل هذه المواقف لا يتحدث الناس كثيرًا عن السياسة؛ بقدر ما يتحدثون عن الأخلاق. فالمواقف الكبيرة لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بما يشعر به الإنسان عندما يكون في لحظة قلق ثم يجد من يمد له يد العون. هنا يفهم الإنسان معنى الوطن الكبير، ولماذا يثق الناس في هذا البلد. ما رأيناه لم يكن مجرد تعامل مع ظرف عابر؛ بل موقف إنساني يعيد إلى الأذهان معنى الأخوة الحقيقية بين الدول والشعوب، ويجعل القلب يمتلئ فخرًا واعتزازًا بهذا الوطن. ولهذا لم تكن عبارة «السعودية العظمى» مجرد وصف؛ بل حقيقة صنعتها مواقف ثابتة عبر الزمن. فالمواقف الكبيرة لا تُكتب بالحبر فقط، بل تُكتب في قلوب الناس قبل صفحات التاريخ. نسأل الله أن يحفظ أوطاننا، وأن يديم الأمن والاستقرار على الدول الخليجية وأهلها، وأن تبقى المملكة العربية السعودية، كما عرفها الجميع دائمًا، سندًا لأشقائها وبيتًا مفتوحًا لمن يقصدها وفخرًا للمسلمين. اللهم احفظها، واحفظ قيادتها وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والكرامة… فقد عاشت المملكة، ودامت فخرًا للمسلمين.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020