||

ادخلي ، لا بأس أن تبكي

26 يناير، 2026

مها العتيبي

‏@mahaalotabi_no1

كانت طفلةً تُدركُ مبكّرًا أنّ الحنان ليس حقًّا مكفولًا للجميع .

في البيت الذي ترعرعت فيه ، كانت الكلمات الرقيقة نادرةً كقطرات المطر على أرضٍ جرداء ، وكانت اللمسات إمّا قاسيةً أو غائبةً تمامًا . تعلّمت أن تبني أسوارًا قبل أن تتقن كتابة اسمها بخطٍّ مستقيم كلّما بكت ، ردّ عليها الصوت بقسوةٍ مضاعفة : «لا تبكي» ، «كوني قويّة» ، «لا داعي لذلك» فكبرت بالفعل ، لكنّ شيئًا صغيرًا جدًّا داخلها ظلّ يرتعد في الظلام .

 

كبرت فصارت امرأةً تبدو من بعيدٍ صلبةً ، حادّةَ النظر ، سريعةَ الجواب ، لا تُتيح لأحدٍ أن يقترب أكثر ممّا تُجيزه لنفسها .

لم يجد الحبّ طريقًا يخترق الطبقات التي تراكمت حول قلبها ، ولم يُقدَّم لها الاحترام إلّا مشروطًا بإثباتٍ دائم . فألِفت أن تُثبت جدارتها لنفسها قبل أن تُثبتها لسواها ، حتّى صارت الحياةُ ميدانَ اختبارٍ لا ينتهي .

 

لكنّها في الليل ، حين يغفو العالم ، كانت تجلس على كرسيٍّ قديم ، أمام مكتبٍ متواضع ، تُحيط بها كرّاساتٌ وأقلامٌ وريشٌ وألوان ، هناك فقط كانت تسمح لنفسها بالضعف ، ترسم ، تكتب ، تمزّق الورق ، تبكي على السطور ، ثمّ تعيد الرسم من جديد . كانت تُعيد بناء ما استطاعت إصلاحه من نفسها ، طبقةً بعد طبقة ، كمن يُعيد تشييد منزلٍ انهار منذ زمنٍ بعيد . رسمت خريطتها الخاصّة : دروبًا لم تسلكها بعد ، بحارًا لم تغرق فيها، قممًا لم تُعانقها ، وملاذاتٍ آمنةً لم توجد إلّا في خيالها .

 

ومع هذا كلّه …

مهما طال الرسم وكثرت الصفحات ، بقيت زاويةٌ مظلمةٌ في تلك الخريطة لا تمتدّ إليها يدها .

طفلةٌ صغيرةٌ ما زالت واقفةً عند باب البيت القديم ، تنتظر من يفتح لها ويقول : «ادخلي ، لا بأس أن تبكي» .

وفتاةٌ مراهقةٌ ممدّدةٌ على فراشها ، عيناها مفتوحتان في العتمة ، تُردّد في داخلها : «لمَ لا يحبّني أحد؟» … فلا تجد جوابًا .

 

هاتان الصورتان لا تزالان حيّتَين داخلها ، لكن ليس بحياةٍ يعرفها الآخرون .

إحداهما ضائعةٌ في الزمن ، والأخرى ماتت منذ أمدٍ بعيد .

تراهما أحيانًا في المرآة للحظةٍ عابرة ، فتُغمض عينيها بسرعةٍ وتعود إلى كراستها وريشتها .

فالرسم على الأقلّ لا يخذلها ، والورق لا يسألها: «لمَ أنتِ هكذا؟» إنّما يمنحها فقط أن تكون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

16 أبريل، 2026
التمزق الأسري

ضيف الله نافع الحربي  من...

8 أبريل، 2026
ما الذي وجدناه في مواقع…

ضيف الله نافع الحربي  لا...

2 أبريل، 2026
إلى متى ؟

ضيف الله نافع الحربي  إلى...

26 مارس، 2026
النتيجة المؤسفة ” لم يوفق…

ضيف الله نافع الحربي  وراء...