||
ماجد عبدالله السريحي
باحث في الإعلام والاتصال المؤسسي
@majedstopuqu
يمثل الوعي السياحي أحد أبرز المحركات التي أسهمت في تشكيل المشهد السياحي السعودي الحديث، ليس بوصفه ممارسة اجتماعية فحسب، بل باعتباره ثقافة وطنية تتكامل فيها المعرفة والسلوك والمسؤولية. هذا الوعي يعكس إدراك المجتمع لأهمية السياحة ودورها في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز صورة المملكة عالميًا، وبناء علاقة إيجابية مع الزوار من مختلف الثقافات. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا يؤكد أن الوعي السياحي بات عنصرًا مؤثرًا في تطور القطاع ونموه المتسارع.
يُعرَّف الوعي السياحي بأنه مستوى إدراك الأفراد والمؤسسات لأهمية السياحة، وفهم حقوق السائح وواجباته، واحترام الوجهات التراثية والطبيعية، والتعامل الإيجابي مع الزوار المحليين والدوليين. وهو أيضًا قدرة المجتمع على توظيف الخدمات الرقمية الحديثة، وتبنّي سلوكيات حضارية تعكس شخصية الوطن. وفي السياق السعودي، تطوّر هذا المفهوم ليأخذ بُعدًا دوليًا مع ازدياد استقبال الزوار من مختلف القارات، الأمر الذي جعل من الوعي السياحي السعودي نموذجًا مميزًا في الانفتاح، واحترام التنوع، وتقديم صورة احترافية متسقة مع رؤية المملكة.
الوعي السياحي السعودي الدولي
تجاوز الوعي السياحي في المملكة حدود المفهوم المحلي ليصبح وعيًا دوليًا قادرًا على التعامل مع السائح العالمي، واستيعاب التنوع الثقافي، وتقديم صورة حضارية متكاملة عن البلاد. يقوم هذا الوعي على إدراك المجتمع والمؤسسات لأهمية السائح الدولي، وفهم توقعاته واحتياجاته، وتوفير تجربة تلائم المعايير العالمية في الضيافة وجودة الخدمات. وقد أسهم هذا الوعي في بناء علاقة إيجابية بين المملكة والعالم، عبر سلوك حضاري يعكس هوية المجتمع السعودي ويعزز الثقة في الوجهات السياحية المحلية.
ويكتسب هذا الوعي بعدًا أوسع عندما يتقاطع مع مفهوم القوى الناعمة السعودية؛ إذ أصبحت السياحة قناة فعّالة لإيصال صورة المملكة إلى الخارج دون استخدام أدوات رسمية أو إعلامية مباشرة. فالتجربة التي يعيشها السائح تُصبح رواية شخصية تنقل قيم الكرم والاحترام والانضباط والتنمية الحديثة، مما يجعل السياحة إحدى أهم أدوات الاتصال الحضاري بين المملكة والشعوب الأخرى. وكلما ارتفع مستوى الوعي في التعامل مع الزائر، ازدادت قوة الرسائل الناعمة التي تنتقل إلى العالم عبر الانطباعات الإيجابية.
وقد انعكست هذه المكانة على مؤشرات السياحة الدولية، حيث ارتفعت نسبة السياح الأوروبيين بنسبة 14%، ونما عدد الزوار القادمين من شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 15%. كما ارتفع معدل الرضا عن التجربة السياحية إلى 4.6 من 5، ما يدل على قدرة المملكة على تقديم تجربة حضارية تتكامل مع معايير التميز العالمي. وهكذا يصبح الوعي السياحي الدولي عنصرًا مهمًا في تعزيز هوية المملكة الناعمة، وتوطيد اتصالها الحضاري بالعالم، وترسيخ مكانتها كوجهة ثقافية وتنموية صاعدة.
تطور الوعي السياحي وانعكاسه على المؤشرات الوطنية
بلغ عدد السياح في المملكة 116 مليون سائح، وهو رقم يعكس توسعًا كبيرًا في حجم الحركة السياحية، وقدرة البلاد على استيعاب الطلب المتزايد في ظل بيئة سياحية آمنة ومتطورة. كما بلغ حجم الإنفاق السياحي 275 مليار ريال، ما يرسّخ موقع القطاع كأحد أهم روافد الاقتصاد الوطني وأكثرها حيوية. هذه المؤشرات تعكس ارتفاع الوعي المجتمعي بأهمية السياحة، والقدرة على تقديم تجربة متكاملة تعزز ثقة الزوار وتدعم النمو الاقتصادي.
السياحة السعودية ودعم الاقتصاد غير النفطي
أصبحت السياحة أحد أهم محركات الاقتصاد غير النفطي في المملكة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وقد أسهم القطاع السياحي في تنشيط قطاعات الضيافة والنقل والترفيه والتجزئة والخدمات الثقافية، ورفع حجم الإنفاق السياحي إلى 275 مليار ريال، مما يجعله من أكبر روافد الاقتصاد الوطني خارج الإطار النفطي. كما عززت السياحة حركة الاستثمار المحلي والأجنبي في تطوير الوجهات والمشاريع السياحية، وأسهمت في زيادة مساهمة قطاع السفر والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي، ورفع معدلات التوظيف، وتشجيع نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وهكذا أصبحت السياحة دعامة استراتيجية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والابتكار والخدمات.
السياحة المحلية ودور المواطن في دعم القطاع
لعبت السياحة المحلية دورًا بارزًا في هذا النمو؛ إذ وصل الإنفاق السياحي المحلي إلى 105 مليارات ريال حتى نهاية الربع الثالث من عام 2025 بنسبة نمو بلغت 18%. وهذا يعكس تطور نظرة المواطن للسياحة الداخلية، ووعيه بقيمة الوجهات الوطنية، ودوره في دعم المنشآت السياحية في مختلف مناطق المملكة، بما يسهم في تحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة.
تجربة السائح وتحسين جودة الخدمات
أصبحت تجربة السائح محورًا أساسيًا في تطوير القطاع، من خلال تحسين جودة الضيافة والخدمات، ورفع مهارات العاملين، وتسهيل إجراءات السفر والوصول والتنقل. وقد أدى ذلك إلى زيادة ثقة الزوار المحليين والدوليين في الوجهات السعودية، وارتفاع معدلات العودة والتوصية، بما يعزز تنافسية المملكة في السوق العالمية ويعكس نضج الوعي السياحي لدى المجتمع.
السياحة الرقمية وتعزيز الوعي السياحي
تمثل السياحة الرقمية اليوم أحد الأعمدة الرئيسية في تطوير القطاع السياحي السعودي. وتُعرَّف السياحة الرقمية بأنها منظومة متكاملة من الخدمات والتجارب التي تعتمد على التقنيات الحديثة في كل مراحل الرحلة، بدءًا من البحث والتخطيط والحجز، وصولًا إلى التنقل والزيارة والتقييم. وتشمل هذه المنظومة استخدام التطبيقات الذكية، والمنصات الإلكترونية، والخرائط التفاعلية، وأنظمة الدفع غير النقدي، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، بهدف جعل التجربة السياحية أكثر سلاسة وكفاءة وابتكارًا.
وقد حققت المملكة تطورًا نوعيًا في هذا المجال؛ إذ سجلت منصة “روح السعودية” أكثر من 35 مليون زيارة خلال عام واحد، في حين تجاوزت التطبيقات المرتبطة بالسفر والتنقل 10 ملايين استخدام فعّال. وتشير المؤشرات إلى أن 68% من السياح يعتمدون على المنصات الرقمية في التخطيط والحجز، فيما تتم 70% من عمليات الحجز والدفع إلكترونيًا، وترتفع نسبة المدفوعات غير النقدية إلى 94% في بعض الوجهات. وأسهم التحول الرقمي في رفع دقة التوقعات السياحية بنسبة 30%، وتحسين كفاءة إدارة الوجهات بنسبة 25%، إلى جانب إنتاج ما يزيد عن 2.5 مليون محتوى سياحي رقمي سنويًا يعتمد عليه 77% من السياح في اتخاذ قرار الزيارة.
وهكذا أصبحت السياحة الرقمية ركيزة أساسية في تعزيز الوعي والسلوك السياحي، ووسيلة استراتيجية لرفع مستوى التنافسية الدولية للوجهات الوطنية، وتحويل التجربة السياحية السعودية إلى نموذج متكامل يجمع بين الحداثة والابتكار.
ساحل الحرف
السياحة السعودية ليست زيارة لوجهة، بل لقاء مع وطن يصنع روايته عبر كل زائر؛ قوة ناعمة تعيد تشكيل صورته في الذاكرة العالمية، وبوابة حضارية تنفتح بثقة وهوية نحو مستقبل تصنعه المملكة يومًا بعد يوم .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020