||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
كل إنسان، في لحظة ما، يقف عند لحظات التردد وكشف الذات بين ما يعتقد أنه صواب، وما يفرضه عليه الواقع، بين نداء داخلي لا يسمعه أحد، وصوت الجماعة الذي يملأ الآفاق.
هنا، في هذه المساحة الضيقة بين الذات والواقع، تولد الأخلاق، لا كقواعد جامدة، بل كمعادلة معقدة، يحاول الإنسان حلها كل يوم، دون أن يصل إلى إجابة واحدة نهائية.
المبادئ تبدو، للوهلة الأولى، كصخور ثابتة وسط نهر الزمن، لا تتغير ولا تندثر.
العدل، الكرامة، الحرية هذه الكلمات تبدو وكأنها محفورة في الوعي الإنساني منذ الأزل.
لكنها، حين تلامس الواقع، تتشظى إلى مئات التفسيرات.
هل العدل هو تحقيق المساواة المطلقة، أم إنصاف كل فرد وفق استحقاقه؟
هل الكرامة تعني الاستقلالية المطلقة، أم الحفاظ على الاحترام داخل النسيج الاجتماعي؟
وهل الحرية تعرّف بغياب القيود، أم بوجود نظام يحمي الأفراد من الفوضى؟
هكذا، تتحول المبادئ من كيان مطلق إلى ساحة مفتوحة للتأويل، يلونها كل مجتمع بلونه، ويصوغها كل فرد وفق تجربته.
أما القيم، فهي أكثر سيولة، أشبه بظل يتغير شكله مع تغير الضوء.
يولد الإنسان محملًا باستعدادات نفسية وبيولوجية، ثم تبدأ القيم بالتشكل داخله، لا كقواعد جامدة، بل كمزيج من التجربة والتعليم والتأمل.
في مجتمع يحكمه الاقتصاد التنافسي، تعتبر قيمة الطموح أساسية، وينظر إلى الشخص الذي يسعى لتحقيق النجاح المادي على أنه نموذج يحتذى به، بينما في مجتمع آخر يقوم على التكافل، قد ينظر إلى الطموح الفردي بشيء من الريبة، ويقدر الشخص الذي يقدّم مصلحة الجماعة على مصلحته الخاصة. الصدق قد يكون قيمة راسخة في بيئة تقدر الشفافية وتعتبر قول الحقيقة واجبا أخلاقيا مهما كانت العواقب، بينما في بيئة أخرى،
قد ينظر إلى الصدق المطلق على أنه تهور قد يسبب الأذى أو يعكر العلاقات الاجتماعية، ويُفضل فيه اللجوء إلى المجاملات والتلميح بدلًا من المواجهة المباشرة.
العمل الجاد يعتبر قيمة محورية في مجتمعات تؤمن بأن النجاح لا يأتي إلا بالاجتهاد، لكنه في مجتمعات أخرى قد يكون أقل أهمية إذا كانت هناك فرص متاحة تعتمد على النفوذ أو الحظ أكثر من الجهد الشخصي.
لكن مهما بدت القيم شخصية، لا يمكن فصلها عن الالتزام الاجتماعي، ذلك الحارس الخفي الذي يراقب الجميع.
المجتمع لا يكتفي بتشكيل القيم، بل يضع لها حدودًا، يمنحها صلاحية، أو يجردها من مشروعيتها.
قد يؤمن الفرد بحرية التعبير، لكنه حين يصطدم بثقافة ترى في بعض الآراء تهديدًا لاستقرارها، يجد نفسه أمام خيارين: أن يلتزم بما هو متوقع منه، أو أن يخوض معركة ضد التيار. لكن أيهما أكثر أخلاقية؟
أن يلتزم الإنسان بقواعد لم يخترها، أم أن يكسرها بحثًا عن قناعته الخاصة؟ وإذا كان لكل مجتمع معاييره، فهل هناك حقيقة أخلاقية مطلقة، أم أن الخير والشر ليسا أكثر من اتفاق اجتماعي يتغير عبر الزمن؟
في نهاية المطاف، لا شيء من هذا يُقاس بالكلمات، بل بالسلوك.
فالأفكار مهما بدت قوية، لا تصبح حقيقة إلا عندما تتحول إلى فعل.
والسلوك هو الميدان الأخير الذي يُختبر فيه كل شيء: المبادئ، القيم، والالتزام الاجتماعي.
لكن هنا تكمن المفارقة ليس كل من يعتقد بالعدل عادلًا، وليس كل من يمجد الصدق صادقًا.
بين الفكرة والممارسة فجوة هائلة، مليئة بالمخاوف والمصالح والتناقضات.
فهل الإنسان حقًا أخلاقي بما يكفي ليعيش وفق مبادئه، أم أن الأخلاق مجرد فكرة جميلة تختبر فقط حين لا يكون هناك ثمن يدفع؟
ربما، في النهاية، الأخلاق ليست يقينا، بل تساؤلا مستمرًا.
ليست قانونا واحدا، بل رحلة دائمة بين الذات والواقع، بين ما نريد أن نكونه، وما يسمح أن نكونه.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020