||
الكاتبة: هويدا المرشود
يقولون إن نيوتن اكتشف الجاذبية حين سقطت تفاحة بجانبه، لكن الحقيقة أن هناك من سأل السؤال قبل أن تسقط التفاحة بقرون. لم يكن ينتظر لحظة إلهام عابرة، ولم يحتج إلى حادثة عابرة ليفكر… كان عقله مشغولًا دائمًا بالبحث، بالتجربة، وبالتساؤل عن كل ما يبدو بديهيًا للآخرين.
ابن الهيثم، الاسم الذي نربطه عادةً بالبصريات، لم يكن مجرد عالم مهتم بالضوء، بل كان عقلًا موسوعيًا لم يترك مجالًا إلا وترك فيه بصمة. حين تأمل حركة الأجسام، لم يكتفِ بمشاهدتها وهي تسقط، بل سأل: لماذا تعود دائمًا إلى الأرض؟ لماذا لا تطفو؟
في كتابه المناظر، كتب فكرة قريبة جدًا مما نعرفه اليوم عن الجاذبية:
“الأجسام تتجه بطبيعتها نحو مركز الأرض، لأنها موضع الاستقرار، فإذا تُركت دون قوة تحركها في اتجاه آخر، انجذبت نحوها.”
هذه ليست مجرد جملة في كتاب قديم، بل تساؤل قلب مفاهيم عصره، وسبق زمنه بمئات السنين. لم يكن ابن الهيثم بحاجة إلى تفاحة تسقط أمامه، بل كان يسأل قبل أن تسقط التفاحة أصلًا.
من يطرح السؤال، يصنع العلم
الفارق بين من يرى ومن يكتشف، ليس الحظ أو الصدفة، بل الفضول. ابن الهيثم لم يكن ينتظر الإجابات، بل كان يبحث عنها، وهو ما جعله أحد أوائل من استخدم التجربة والملاحظة كأدوات للعلم، قبل أن يتحول هذا المنهج إلى قاعدة الفيزياء الحديثة.
واليوم، بينما أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، هل ما زلنا نملك ذلك الفضول؟ هل ما زلنا نطرح الأسئلة الصعبة، أم أننا نكتفي بما هو متاح أمامنا؟
لماذا لم يُنسب إليه الفضل؟
حين انتقلت المعرفة من العالم الإسلامي إلى أوروبا عبر الترجمة، برزت أسماء جديدة، وطُمس كثير من الأسماء الأصلية التي مهّدت لهذا التقدم. نيوتن لم يبدأ من الصفر، بل وقف على أكتاف من سبقوه، تمامًا كما فعل أينشتاين من بعده. لكن القصة التي تُروى دائمًا تبدأ بالتفاحة، وليس بالسؤال الذي سبقها.
ماذا يعني ابن الهيثم لنا اليوم؟
هذا ليس مجرد تاريخ علمي، بل درس في كيفية التعامل مع المعرفة:
• لا تأخذ الأشياء كما هي… اسأل لماذا.
• لا تكتفِ بما هو متاح… ابحث بنفسك.
• لا تنتظر أن تسقط التفاحة… فكّر قبل أن تسقط.
ابن الهيثم لم يكن مجرد عالم عاش في زمنه، بل فكرة لا تزال حيّة حتى اليوم… فكرة تقول إن العلم لا يبدأ بالسقوط، بل بالسؤال.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020