||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الإنسان كائن معقد، مزيج بين عقل يسائل الواقع وحواس تخضعه للتجربة.
في سعيه لفهم ذاته وعالمه، يستخدم التبرير كآلية دفاعية تمنحه راحة مؤقتة، لكنه في بعض الأحيان قد يضحي بالحقيقة التي قد تكون مدخلًا للتغيير والنمو.
في هذه الحالة، يُمكن أن يكون التبرير نوعًا من الإنكار الجزئي، حيث يرفض الشخص مواجهة بعض جوانب الواقع أو الحقيقة المزعجة، لكن مع مرور الوقت قد يتطور هذا التبرير إلى إنكار كامل للحقيقة، مما يعوق النمو الشخصي والقدرة على التكيف مع الواقع.
التبرير ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو ظاهرة نفسية تمتد جذورها في أعماق النفس والعقل.
في علم النفس، يُعتبر التبرير أحد آليات الدفاع النفسي، حيث يستخدمه الفرد لتخفيف التوتر الناتج عن التناقض بين ما يعتقده وما يفعله.
هذا التناقض يُعرف بـ التنافر المعرفي، وهو مصطلح صاغه ليون فيستنجر في عام 1957.
في بداية الأمر، يمكن أن يُنظر إلى التبرير كآلية لتقليل التوتر من خلال تبرير السلوكيات التي لا تتماشى مع المعتقدات.
ومع ذلك، مع تكرار هذه الآلية، قد يبدأ الشخص في إنكار الحقيقة بشكل جزئي، ثم يتطور هذا الإنكار ليشمل رفضًا كاملًا للواقع.
من الناحية العلمية، تشير الأبحاث في علوم الأعصاب إلى أن القشرة الجبهية الأمامية تلعب دورًا رئيسيًا في اتخاذ القرارات وحل المشكلات، بالإضافة إلى قدرتها على معالجة التوترات المعرفية الناتجة عن التناقضات بين المعتقدات والسلوكيات.
ومع ذلك، فإن عملية التبرير نفسها معقدة، ولا تقتصر على القشرة الجبهية الأمامية فقط، بل تشمل تفاعلات متعددة في مناطق أخرى من الدماغ مثل النواة المتكئة، وهي جزء من النظام العصبي المكافئي.
تظهر الدراسات أن هذه المناطق تُنشط عندما يواجه الشخص ضغوطًا نفسية أو عندما يتوصل إلى مبررات لتخفيف مشاعر القلق الناجمة عن التنافر المعرفي.
وإذا استمر الشخص في استخدام التبرير كآلية دفاعية، قد يؤدي ذلك إلى إنكار كامل للواقع الذي لم يعد قادرًا على مواجهته.
التبرير هو بمثابة هروب من المسؤولية، إذ يُعتبر آلية للتملص من مواجهة الواقع بشكل صادق.
الشخص لا يتحقق ذاته إلا من خلال الاعتراف بحرية اختياراته ونتائجها.
ولكن، عندما يصبح التبرير إنكارًا جزئيًا للحقيقة، يمكن أن يُعيق الإنسان عن تحقيق ذاته، إذ يتجنب مواجهة الواقع وتحمّل المسؤولية عن أفعاله.
إن الإنكار والتبرير معًا يعوقان الإنسان عن مواجهة وجوده كما هو، ويمنعانه من تحمل المسؤولية الكاملة عن اختياراته.
لذلك، يجب على الإنسان أن يواجه نفسه بشجاعة، ويتحمل مسؤولية اختياراته دون اللجوء إلى إنكار جزئي أو تبريرات تخفف من تبعات أفعاله.
على مستوى المجتمع، تصبح ثقافة الإنكار والتبرير أكثر وضوحًا في الأنظمة التي تفتقر إلى الشفافية والنقد البناء.
يُعتبر التبرير في هذه السياقات أحد عوامل تعزيز الجمود الاجتماعي، حيث يُصبح التفكير النقدي ضعيفًا، مما يُعيق الابتكار والتطور.
وفقًا لدراسات علم الاجتماع، تشير الأبحاث إلى أن المجتمعات التي تنغمس في ثقافة الإنكار والتبرير قد تواجه صعوبة في التكيف مع التغيرات، لأنها تفضل الحفاظ على الوضع الراهن بدلًا من مواجهة الحقائق المُحزنة أو المُحرجة التي قد تقودها نحو التغيير.
بين التبرير والإنكار والحقيقة، يظهر العقل الإنساني في أبهى تجلياته.
العلم يقدم الأدوات لفهم الآليات التي تحكم سلوكنا، بينما يدفعنا الفكر الفلسفي للتساؤل عن القيم والمعاني التي تكمن وراء هذه السلوكيات.
معًا، يدعوان الإنسان إلى تجاوز لحظة التبرير والإنكار والقبول بلحظة الحقيقة.
الحقيقة ليست مجرد حقيقة علمية تُثبت بالتجربة، ولا فكرة فلسفية تُدرك بالتأمل فقط، بل هي ذلك النور الذي يعيد تشكيل الإنسان والمجتمع.
من خلال الاعتراف بأخطائنا وتجاوز الإنكار والتبرير، نخطو الخطوة الأولى نحو التحرر والنمو.
بين العلم الذي يفسر والفلسفة التي تتأمل، تفتح أبواب التغيير، ويُكشف المعنى الحقيقي للوجود الإنساني.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020