||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
في عمق الحياة الإنسانية، تمثل العلاقات نسيجًا معقدًا من المشاعر والتفاعلات، حيث تتقاطع حاجات الروح مع تساؤلات العقل.
الإنسان بفطرته كائن يبحث عن الأمان، عن حضن يحتضنه حين تشتد الرياح، وعن يد تمتد نحوه حين تزلّ قدمه.
لكنه، في الوقت ذاته، يتوق إلى النمو، إلى تجاوز حدوده، إلى فضاء أوسع من ذاته، حيث تتكشف إمكانياته الكامنة.
هنا تتجلى ثنائية الحياة: كيف يمكن للعلاقة أن تكون مصدر أمان، وفي الوقت نفسه منصة للنمو؟
لكن أحيانًا، وبدلًا من أن تصبح العلاقة ذلك التوازن العميق بين الثبات والحركة، تتحول إلى قشرة فارغة. قشرة تحيط النفس من الخارج دون أن تغذيها من الداخل، قشرة تستنزف الروح بدل أن تمنحها دفء الحياة.
الأمان هو ذلك الشعور الذي يجعلنا نطمئن إلى وجودنا، حيث لا حاجة للتظاهر أو التبرير.
لكنه حين يغيب، وحين يستبدل بالخوف، يصبح الفرد أسيرًا لعلاقة تشبه سجنًا بلا قضبان.
الخوف من الفقد، من الحكم، من الرفض، ومن انهيار قد يأتي في أي لحظة، كلها قوى تسحب النفس إلى قاع مظلم.
في هذا القاع، ينكمش الفرد بدلًا من أن يتسع، ويخبو نور الحياة في داخله تدريجيًا.
العلاقات التي تغذي القلق والخوف لا تخلق مساحة للنمو؛ لأنها تجعل الفرد منشغلًا بالنجاة.
النجاة من ألم محتمل، من رفض يلوح في الأفق، أو من فقدان مادي يُهدد استقراره.
في هذه الأجواء المشحونة، تتوقف النفس عن السعي إلى الأفضل، وتظل تدور في دوامة محاولة البقاء على قيد العلاقة بأي ثمن.
هناك علاقات تبدو مكتملة من الخارج: جدالات مستمرة، ابتسامات متصنعة، وحتى الوعود تُقال. لكنها في جوهرها خالية من العمق والاعتراف والتغيير. إنها مجرد مظاهر تلمع، لكنها تخفي فراغًا داخليًا يعمق شعور الوحدة بدلًا من أن يبدده.
هذه العلاقات لا تنبع عن حب أو احترام حقيقي، بل غالبًا ما تكون نتاج احتياجات سطحية: الخوف من الوحدة، الرغبة في القبول الاجتماعي، التعلق بواجهة زائفة تُرضي توقعات الآخرين، أو حتى اعتماد مادي يجعل الفقد غير خيار مطروح.
لكنها، في حقيقتها، تُحمّل النفس أكثر مما تمنحها، وتستهلك الطاقة دون أن تعيد ملء الروح بشيء ذي معنى.
إذا نظرنا إلى العلاقات من منظور أعمق، نجدها مرآة للإنسان نفسه.
كيف يمكن لمن لا يشعر بالأمان الداخلي أن يمنحه للآخرين؟ وكيف يمكن لمن يخشى مواجهة ذاته أن يواجه العالم عبر علاقة حقيقية؟
العلاقة الصحية امتداد لصحة النفس، وهي في الوقت ذاته اختبار لهذه الصحة.
إنها تنمو حين يُتاح لكل طرف أن يكون ذاته دون خوف، وحين تصبح العلاقة مساحة يكتشف فيها كل فرد ذاته من جديد، لا ساحة لتثبيت أقنعة زائفة.
العلاقات ليست مجرد روابط بين أفراد، بل انعكاس لحالة الوجود.
هي تمثّل توازن الإنسان بين حاجته إلى الانتماء وحاجته إلى الحرية، بين الأمان الذي يمنح الجذور، والنمو الذي يمنح الأجنحة.
لإعادة بناء العلاقات، علينا أولًا أن نعيد بناء علاقتنا بأنفسنا.
أن نتوقف عن البحث عن الأمان في الآخرين قبل أن نحققه في أعماقنا.
أن نسأل أنفسنا: هل نخشى الوحدة لأننا لا نجد السلام في داخلنا؟ هل نسعى وراء العلاقات السطحية لأننا نخشى مواجهة العمق؟
الأسئلة هي الخطوة الأولى نحو وعي جديد، ووعي الذات هو أساس كل علاقة صحية.
العلاقة الحقيقية ليست شعورًا عابرًا، بل مسارًا للنمو المشترك.
هي فضاء آمن يُسمح فيه لكل طرف أن يكون ضعيفًا حين يحتاج، قويًا حين يُطلب منه، ودائمًا حقيقيًا.
هي علاقة لا تغذي الخوف بل تبدده، لا تستهلك الطاقة بل تخلقها، لا تغلق الروح بل تفتحها على إمكانياتها اللامحدودة.
لنسأل أنفسنا: هل نبني علاقات تمنح الروح ما تستحقه من سكينة ونمو؟
أم نكتفي بقشور تستنزفنا وتتركنا فارغين؟ الجواب ليس في الكلمات، بل في الطريقة التي نعيش بها، وفي الشجاعة التي نمتلكها لنختار ما يغني أرواحنا، لا ما يستهلكها.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020