||
مطر آل عاطف
يقول أمير الشعراء احمد شوقي بعد نكبة دمشق وهو يحكي عن ذكرياته هناك بعد النكبة وهجوم القواة الفرنسية وتساقط الكثير من الشهداء:
دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ.
وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
ويقول محمد مهدي الجواهري عن ذكرياته مع زوجته التي ماتت:
أيّامَ إنْ ضاقَ صَدري أستريحُ إلى
صَدرٍ هو الدهرُ ما وفَّى وما يَعِدُ
أينَ المَفَرُّ وما فيها يُطاردُني
والذِكرياتُ ، طرُّيا عُودُها ، جُدُد.
وما نحن إلا ذكريات الماضي لمن بعدنا كما أن لنا ذكريات لا تُنسى ولوالدينا ومعارفنا ذكريات وماضي ولا يوجد إنسان بلا ماضي بِشِقِّيه الحزين و السعيد…و كل مستقبل هو ماضي لما بعده ، لا بد أن يترك الإنسان بصمة جميلة لكي يُذْكَر بها ويُتَرَحَّم عليه ويدعى له بعد موته ورحيله إلى دار البرزخ .
لست سوداوياً ولا متشائماً إنما اصِفْ بِدِقَّهْ ؛
اراقب العالم اليوم فلا أرى إلا حروب وكروب ومستقبل مظلم للبشرية جمعاء ولا ادري كيف يصف المتألم مثل هذا العصر الذي نعيش فيه
فالرحمة والنُبُل وكرم المشاعر بات من الأشياء العزيزة التي لا نجدها والله المستعان فالجود ليس بالضرورة أن يكون على هيئة مال نقدي بل مشاعر ود للطرف الآخر ‼️ وصناعة ذكرى جميلة فهي اقوى من مال سيفنى ويبقى السمعة الطيبة قال صلى الله عليه وسلم: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» متفق عليه.
قال ابن عثيمين رحمه الله: “الصدقة لا تختص بالمال، بل كل ما يقرب إلى الله فهو صدقة بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل.
لقد تَفَطَّن سيد الخلق محمد ﷺ إلى هذا من قبل وأدرك قوة الكلمة والمشاعر الصادقة التي ترسلها نحو إنسان آخر.
قرأت لأحد الأدباء قديماً ولا يحضرني اسمه وهو يصف بدقة الإنسان المتأزم نفسياً ويزور طبيب نفسي يقول (سبب الم هذا الإنسان هو إنسان آخر أو مجموعة من الناس فبالتالي زار الطبيب المعالج والطبيب إنسان إذا فالمريض النفسي هو إنسان آذاه إنسان فذهب يشكو ما أصابه من اكتئاب و احباط لإنسان ويحكي ما حصل بينه وبين الناس) وقلت انا يالسخرية القدر وكل هذا لكي لا نكون طيبين وعطوفين مع بعضنا البعض صارت الكلمات الطيبات ثقيلة تمجُّها طباعنا وتألف الكلام الساقط الأرعن ؛ لم كل هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».
قد تقول كلمة طيبة وتنساها فور انتهاء الحدث فيرفعك الله بها درجات لم تكن لتحصل عليها بصدقة أو تسبيح بل بشيء يصير في حياتك اليومية هذا عند الله أما في الدنيا فتخيل انك تزرع ذكرى جميلة في قلب إنسان فيتعلم منك ويصير طبع فيه ويقتبس هذه المهارة ويستخدمها مع إنسان آخر وهلم جر ويصبح كأنه وقف مشاعر لك يجري حتى إن توفاك الله فالاوقاف ليس بالضرورة أن تكون مصحف في مسجد أو بئر ماء او برَّادة في مسجد بل حتى الكرم المشاعري والطبطبة على أكتاف المنهكين والمهزومين في الحياة جود وكرم خصوصاً إذا لم يمد أحد يد المساعدة هنا يأتي دورك وما احلاه وما اسهله من دور وكأن الله ساقها لك كي تُكتَب عنده صدقة وقد يكافئ الله في الدنيا ويرزقك بولد بار او بنت مطيعه أو يحرس ذريتك من الهلاك ويرزقك صدقه جاريه امامك في الآخرة فالله سبحانه وتعالى لن يقبل أن يكون أحد اكرم منه ولا أجزل في العطية فلنتصدق على خلق الله وعلى بعضنا بالكلام والحروف فهي ليست صعبة اصنع حوار بينك وبين نفسك تخيل انك مت فكيف تريد الآخرين إذا اجتمعوا و جاءت سيرتك ما هو فحوى حديثهم عنك وانت في القبر ، أنا مدرك أنه صعب تصور سيناريو كهذا و لكن تخيل وعلى العموم هي صحيفتك في الدنيا إملئها بما شئت فالناس شهود الله في الأرض.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020