||

نبي الصَفْح و مَلِك العافين

14 فبراير، 2023

بقلم/ مطر آل عاطف

‏اول ما يرِنُّ اسم سيدنا يوسف عليه السلام حياً و ميتًا يتبادر لأذهاننا صورة نمطية وواحدة وهي بلا ريب عندي سطحية (أنه اجمل أهل الأرض كُلِّهِمِ وأنه الذي تعرض لظلم واضطهاد من إخوته ومن ثم لقيه أباه يعقوب عليه السلام وعاشوا معًا في سعادة أبدية كما في قصص ما قبل النوم التي كانت ترويها لنا امهاتنا قُبَيلَ أن نرقد ونَغُطَّ في نومٍ عميق) لكن لم يتبادر لذهن اي مسلم أن يسأل ما هو يوسف عليه السلام ما هو جوهره الذي لم يتغير مُذْ خَلَقَهُ الخلَّاق العليم فلننظر سويا لصنيعه فيُعرَف الرجل بصنائِعه ورَدّات فعله 

‏يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه بعد أن أدلى بدلوِه أحد أهل القافلة التي توقفت عند البئر الذي أُلقي فيه يوسف واخرجوه واسبشروا به (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 20) .

‏ومعنى بخس اي مبخوس (منقوص) ليس بالحق الموَفَّى بالتمام و الكمال فالذي أخرج يوسف من البئر باعه بين أهل القافلة التي كان من ضمنهم إخوة يوسف ١١ رجل ولك أن تسرح بخيالك كيف لنبي ابن نبي حفيد نبي يُباع بسعر ظالم ويمكث سنين عِدَدَا خلف القضبان مقهوراً ويخرج ليصير ملك بأمر الواحد القهار .

‏وقُبيل أن يصير وزير الإقتصاد يزعم المؤرخون المصريون أن فترة حكم يوسف عليه السلام في عصر الأسرة الثانية من دولة وحضارة (الهكسوس)؛ وبقدرة الله يُدخِل الله الرغبة الشديدة في نفس الملك لمعرفة أحداث القصة ويستدعي نسوة المدينة لكي يخبروه بمجريات الأحداث قتقع امرأة العزيز في مأزق وتعترف أنها راودته عن نفسه بعدما شهد شاهد من اهلها وقال الله على لسانها الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه…فالراحمون كيوسف عليه السلام يرحمهم الله فربنا أعز وأكرم من أن يعذب عبد صالح يرحم الخليقة ويعفو ويصفح عن إخوته الذين كادوا له كيداً كبيرا.

 

‏ ويقول لأخوته بعدما جاءوا لمصر بعدما خرج من السجن وصار ملك مصر وسمعهم وهم يقولون عن أخيهم بنيامين الذي اعتقله يوسف وهو يعرفه بعد أن وضع متاعه وصواعه الذي يكيل به للناس؛ في بضاعة اخيه بنيامين إن يسرق فقد سرق اخ له من قبل يعنون يوسف بالسرقه يقول جَمْعٌ غفير من المفسرين أن ام يوسف عليه السلام وزوجة سيدنا يعقوب عليه السلام والد يوسف كان في بيت أخيها خال يوسف صنم وهي موحدة حنيفية فطلبت من يوسف عليه السلام أن يسرق الصنم من بيت خاله على حين غِرَّه ويحطمه وقد فعل وانا لا ادري لعل الله رزق يوسف الملك لعلمه بسلامة معتَقَدِه وكتمها في نفسه وتبينوا الإخوة أنه هو الذي فعل هذا بصنم الخال ومع ذلك يقول يوسف لهم في كتاب الله : قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) بلا حقد ورغبة في الانتقام بل عفا عنهم وهو لا يبتغي حظ لنفسه في هذه الدنيا الفانية واحسب أن يوسف عينه و هدفه نحو الفردوس الأعلى من الجنة لأن من أراد الفردوس لا يترك حظاً لنفسه ومن جمال هذا الموقف انظر لرد يعقوب عليه السلام حينما أخبروه بوجود يوسف وأنه الملك وأنه يريده وطلبوا منه أن يستغفر لهم (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98).

‏والتفسير و العلم الشرعي ليس مضماري ولا يحق لي عزيزي القارئ إنما يقول أهل العلم انظر الى الفرق بين يعقوب الشيخ الكبير في السن اخَّر الدعاء لهم في السَّحَر آخر الليل أما يوسف الشاب القوي مباشره قال لهم لا تثريب عليكم لأن الشاب اقدر على العفو بسرعة من الشيخ الكبير في السن والذي أتعجب منه أنا في قصة يوسف وإخوته اكثر من اي شيء بعد مواقف نبينا محمد ﷺ خصوصاً في فتح مكة بعدما غفر للمشركين وهم عند قدميه وقال صلى الله عليه وسلم ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وأبن أخ كريم، فقال صلى الله عليه وسلم: “أذهبوا فأنتم الطلقاء”.

‏هو موقف يوسف وهو يتحدث عن المكيدة التي دبرها إخوته عليه (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) جعل نفسه قبل إخوته لكي يحفظ ماء وجوههم وكأنه هو المخطئ وانا تقديري للموقف هو أن هذا من تمام العفو فهو يريد أن يضع حداً لهذه الصفحه المؤسفة وان لا يتم ذكرها بينهم كأسرة الى الأبد .

‏تأملت كثيرا في قصة يوسف لكي اكتشف ما يوسف عليه السلام كيف في خضم هذه الملحمة ينسى ويعفو ويصفح ويصلح ذات البين ولم يبخل بعلمه على الملك الذي سجنه وكادت له زوجة الملك ويستعصم بحبل البارئ جل في عليائه يوسف عليه السلام هو حُجَّة من الله للعالمين خصوصاً في زماننا هذا إذا جاءت الفِتَن حتى عند بابك فاستعن بالله و امتنع وليس بالضرورة أن تكون فتنة نساء بل حتى رشوة أو شهادة زور أو ظلم لمسكين أو أكل مال يتيم أو حتى شرب الخمر وغيرها من المنكرات إذا كنت صاحب و مقتدر وكان الحق لك وانت الأقدر فاصفح الصفح الجميل وبإذن الرحمن سيخلُد ذِكرك في الناس بالإجلال والإكبار و السمعة الرفيعه -هب لو أن يوسف بَطَش بإخوته ولديه القدرة و الحق بلا مُدافَعه فقد عَقُّوا أباهم يعقوب وهو نبي وآلموه بمصاب جلل- ومع ذلك لم يفعل فكانت وقعة رحمته ومسامحته اكبر واحسن من البطش والتنكيل فالرحمة اقوى من العذاب بمراحل.

‏المتتبع لصنائع يوسف العظيمة لا يكاد يجد أنه انتفع بجماله او استغل جماله بل النساء هن من كن يرين حُسْنَه ووصفوه بالمَلَك الكريم لأن عقولهم المحدودة وعيونهم البشرية لم تعتد على جمال بهذا القدر وفي الصحيح عن نبينا ﷺ بمعنى الحديث (إن الناس يدخلون الجنة على مقدار جمال يوسف عليه السلام وعلى قلب أيوب عليه السلام وبطول أبيهم آدم عليه السلام) فنستدل من هذا أن جمال يوسف كان من طراز فردوسي ومع ذلك لا تجد أن لجماله الخارجي اي انتفاع له في مجريات الأحداث فمعدن يوسف الذي كان جميل و نبيل ومَخْبَرُه الصافي الذي يريك أضعاف منظره؛ فهو لم يتكئ يوما على وسامته أو على نَسَبُه حتى قصة تبرئته من مراودة امرأة العزيز له كان لرفع الظلم عنه وليس لانه جميل ومتناسق لا يوجد لجماله اي طريق في قربه من الله سبحانه وتعالى بل كان وبالاً عليه ومَغرَم ولم يكن مغنم بل هو في حقيقة الأمر فتنة ارهقته مع النساء ولك أن تتخيل إذا كانت امرأة العزيز فُتِنَت به هكذا فكيف بعوام النساء في عصره الم تكن نظراتهم الجاحظه له تؤذي فؤاده ووَد عليه السلام لو أن حُسنَه لم يَكُنِ، لكي لا يستوقف أحد ويشخص ببصره عليه ومع ذلك صبر ورضي بالمكتوب كحال جميع أنبياء الله ورسله.

‏وانظر إلى شكر يوسف لله على رد أهله جميعاً تحت سلطانه وهو عزيز لمصر :

‏﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

‏فقد سكر الله على الجمع بينه وبين أفراد أسرته النووية المعدودة ولم يذكر شيئا عن جماله وملاحة تقاسيم وجهه كما يظن المعاصرين.

 

‏ يوسف هو مثال رباني للعالمين فهو الصبور على البلاء وهو المحروم من حنان الوالدين الى حنان الرحمن وهو المستعصم بحبل الله وهو العالِم العامِل بعلمه وهو الكفاءة والخبرة التي تصيب من المرة الأولى وهو العفو المُصفِح عن الخاطئين وهو المتجرد من ذاته الراغب بما في يدي الله وهو الرؤوف بالرَعيَّة يوم صارت الأمور تحت امره وهو رجل المهمات الصعبة كما في إنقاذه لاقتصاد مصر من الانهيار … نسأل الله تعالى أن يجعل أنفسنا يوسفية فيوسف ليس مجرد رواية وحدوتة لما قبل النوم بل إشارة ربانية لنا لنسير على المسلك وينبغي أن نكون أكثر عُمقاً و تحليلاً لنمحي الصورة النمطية التي رسمناها منذ الصغر عن يوسف عليه السلام بأنه الجميل ونقطة آخر السطر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

16 أبريل، 2026
التمزق الأسري

ضيف الله نافع الحربي  من...

8 أبريل، 2026
ما الذي وجدناه في مواقع…

ضيف الله نافع الحربي  لا...

2 أبريل، 2026
إلى متى ؟

ضيف الله نافع الحربي  إلى...

26 مارس، 2026
النتيجة المؤسفة ” لم يوفق…

ضيف الله نافع الحربي  وراء...