||
إعداد: ماجد عبدالله السريحي
مقدمة: البيئة من ملف موسمي إلى مشروع وطني
في كل عام، يعيد يوم الأرض واليوم العالمي للأرض طرح سؤال يتجاوز المناسبة الرمزية، ليمس جوهر العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين التنمية والحفاظ على الموارد.
ومع تصاعد التحديات المناخية عالميًا، أصبحت البيئة أحد أكثر الملفات حضورًا في الخطاب التنموي والإعلامي، حيث لم تعد قضية مرتبطة بحملات توعوية محدودة، بل تحولت إلى محور اقتصادي واجتماعي وثقافي يعكس توجهات الدول نحو المستقبل.
وفي السعودية، يظهر هذا التحول بوضوح داخل المشهد البيئي، حيث انتقلت القضايا المرتبطة بالمناخ والطاقة والمياه والتنوع الحيوي إلى مشروع وطني واسع يرتبط برؤية السعودية 2030، ويعكس مسارًا جديدًا يجعل من الاستدامة جزءًا من التنمية.
هذا التحول منح الإعلام البيئي مساحة أكبر داخل الصحافة والإعلام الرقمي، حيث أصبح الإعلام شريكًا في تفسير التحولات، ونقل الأرقام، وربط المجتمع بالقضايا البيئية.
الإعلام البيئي.. تحول في الخطاب وصناعة التأثير
شهد الإعلام البيئي في السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا، حيث انتقل من الرسائل التقليدية المرتبطة بالنظافة والتشجير إلى محتوى أكثر عمقًا يرتبط بالاقتصاد وجودة الحياة.
في السابق، كانت الموضوعات البيئية تظهر غالبًا في إطار المناسبات، إلا أن المشهد الإعلامي اليوم يشهد حضورًا أكبر للتقارير والتحقيقات التي تربط البيئة بالسياسات العامة، والتنمية، والصحة، والمجتمع.
وأصبح الإعلام البيئي يعتمد على لغة الأرقام والمؤشرات، إضافة إلى تبسيط المفاهيم العلمية، بما يسمح بتقريب القضايا المناخية إلى الجمهور.
كما ساعدت التحولات الرقمية في منح القضايا البيئية مساحة أكبر للانتشار، عبر الفيديوهات القصيرة، والإنفوجرافيك، والمحتوى التفاعلي.
موضوعات الإعلام البيئي.. قضايا تتقاطع مع تفاصيل الحياة
لم يعد الإعلام البيئي يقتصر على الحديث عن التلوث أو التشجير، بل أصبح يتناول ملفات متعددة ترتبط بالحياة اليومية.
ويتصدر ملف التغير المناخي المشهد الإعلامي، باعتباره القضية الأكثر ارتباطًا بالمستقبل، حيث تتناول التغطيات الصحفية آثار ارتفاع درجات الحرارة، وتحديات ندرة المياه، وأهمية خفض الانبعاثات.
كما تحظى جودة الهواء باهتمام متزايد، نظرًا لعلاقتها بالصحة العامة، حيث تعتمد التقارير على المؤشرات البيئية لتوضيح مستويات التلوث وتأثيرها على المدن.
أما ملف المياه، فيحمل أهمية خاصة داخل الإعلام البيئي السعودي، نظرًا لارتباطه بالأمن المائي.
وتتناول التغطيات موضوعات تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، وترشيد الاستهلاك، إلى جانب إبراز التقنيات الحديثة التي تسهم في إدارة الموارد.
وتعد السعودية من أكبر الدول المنتجة للمياه المحلاة عالميًا، وهو ما يمنح ملف المياه بعدًا استراتيجيًا داخل الخطاب الإعلامي.
التشجير ومكافحة التصحر.. البيئة في صورتها الأكثر حضورًا
يشكل التشجير أحد أكثر الموضوعات حضورًا في الإعلام البيئي، لأنه يقدم صورة مباشرة لجهود الاستدامة.
وتعتمد التغطيات على الصور الميدانية والقصص المرتبطة بزراعة الأشجار، واستعادة الغطاء النباتي، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.
ويبرز دور المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر في تنفيذ البرامج التي تستهدف حماية المراعي، وتقليل تدهور التربة، وزيادة المساحات الخضراء.
وتشير البيانات إلى أن المملكة نجحت في زراعة أكثر من 159 مليون شجرة ضمن برامج إعادة التأهيل البيئي، في إطار مستهدفات طويلة المدى تهدف إلى زراعة 10 مليارات شجرة.
الحياة الفطرية.. حماية التنوع الحيوي وإحياء الأنظمة الطبيعية
أصبح ملف الحياة الفطرية جزءًا متزايدًا من التغطيات الإعلامية، خصوصًا مع توسع برامج حماية الأنواع المهددة بالانقراض.
ويؤدي المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية دورًا مهمًا في إدارة المحميات الطبيعية، وإعادة توطين الكائنات الفطرية، ودعم الدراسات البيئية.
كما تسهم برامج إعادة إطلاق بعض الأنواع النادرة في إثراء المحتوى الإعلامي، لأنها تقدم قصص نجاح ترتبط بالحفاظ على الإرث الطبيعي.
وتشير المؤشرات إلى أن المملكة تعمل على حماية أكثر من 554 نوعًا من الكائنات الفطرية، إلى جانب برامج لإعادة توطين الأنواع داخل البيئات الطبيعية.
أرقام تعكس التحول البيئي في السعودية
تعكس المؤشرات الرسمية حجم التحول البيئي الذي تشهده المملكة، حيث أصبحت الأرقام جزءًا من الخطاب الإعلامي.
ومن أبرز المؤشرات:
زراعة أكثر من 159 مليون شجرة ضمن برامج إعادة التأهيل البيئي.
إعادة تأهيل أكثر من 118 ألف هكتار من الأراضي المتدهورة.
وصول المناطق المحمية إلى نحو 18% من مساحة المملكة.
استهداف رفع المناطق المحمية إلى أكثر من 30% مستقبلًا.
خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 278 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030.
إنتاج 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030.
تجاوز الاستثمارات البيئية أكثر من 700 مليار ريال.
الجهات الحكومية.. بناء المنظومة البيئية
تلعب الجهات الحكومية دورًا رئيسيًا في دعم البيئة، عبر التشريعات، والرقابة، وإطلاق المبادرات.
كما تسهم المؤسسات الرسمية في توفير البيانات البيئية، وتنظيم المؤتمرات، وإنتاج المحتوى التوعوي.
وتبرز جهات عدة داخل المنظومة البيئية السعودية، من بينها المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي.
المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي.. رقابة تدعم التنمية
يشكل المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي أحد أهم الأذرع التنظيمية داخل المشهد البيئي.
ويعمل على تقييم الأثر البيئي للمشروعات، ومراقبة المنشآت، وضمان الالتزام بالأنظمة.
كما يسهم في مراقبة جودة الهواء والمياه والضوضاء، وتوفير البيانات اللازمة لدعم الدراسات.
ويمثل هذا الدور انتقالًا من التوعية إلى التطبيق، حيث أصبحت البيئة جزءًا من معايير التنمية.
قطاع الأمن البيئي.. حماية الموارد في الميدان
يؤدي قطاع الأمن البيئي دورًا مهمًا في حماية الموارد الطبيعية، من خلال الرقابة الميدانية وضبط المخالفات.
كما يعمل على حماية المحميات والمتنزهات والحياة الفطرية، بما يعزز الحفاظ على التنوع الحيوي.
ويمثل القطاع امتدادًا لمنظومة الحماية البيئية، لأنه يجمع بين التوعية والتنفيذ.
القطاع غير الربحي.. المجتمع شريك في الوعي
برز القطاع غير الربحي كأحد الشركاء الرئيسيين في نشر الثقافة البيئية.
وتسهم الجمعيات والمبادرات التطوعية في دعم التشجير، وتنظيم الحملات، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
كما يساعد هذا القطاع في تحويل الرسائل البيئية إلى سلوك يومي.
الشركات الكبرى.. المسؤولية الاجتماعية تدخل المشهد البيئي
شهدت الشركات السعودية تحولًا في مفهوم المسؤولية الاجتماعية، حيث أصبحت البيئة جزءًا من الاستراتيجيات المؤسسية.
وتبرز جهود الشركات الكبرى في خفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، ودعم الاقتصاد الدائري.
وتقدم شركة أرامكو السعودية نموذجًا في الاستثمار في تقنيات احتجاز الكربون.
كما تعمل شركة سابك على تطوير حلول إعادة التدوير والمواد المستدامة.
ويمتد هذا الدور إلى شركات وطنية أخرى باتت تدمج الاستدامة داخل تقاريرها السنوية.
المشاريع الكبرى.. البيئة داخل فلسفة التنمية
تعكس المشاريع الكبرى في السعودية توجهًا جديدًا يربط التنمية بالحفاظ على البيئة.
وتبرز مشاريع مثل نيوم والبحر الأحمر والعلا كنماذج تعتمد على الطاقة النظيفة، والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويخصص مشروع البحر الأحمر مساحات للحماية البيئية، فيما يعتمد مشروع نيوم على الطاقة المتجددة والمدن الذكية.
هذه المشاريع تقدم نموذجًا جديدًا يربط الاستثمار بالاستدامة.
السياحة والبيئة.. الاستدامة كقيمة اقتصادية
أصبحت السياحة البيئية أحد المسارات الجديدة داخل الاقتصاد السعودي.
وترتبط المشاريع السياحية الحديثة بالحفاظ على الطبيعة، وإدارة الموارد، وتقليل الأثر البيئي.
وتشير المؤشرات إلى أن المملكة استقبلت أكثر من 100 مليون زيارة سياحية، مع مستهدفات لرفع مساهمة القطاع إلى نحو 10% من الناتج المحلي.
كما تعتمد المشاريع السياحية الجديدة على الطاقة النظيفة والحفاظ على التنوع الحيوي.
الدبلوماسية البيئية.. حضور سعودي في المشهد الدولي
لم تعد البيئة قضية محلية فقط، بل أصبحت جزءًا من العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، عززت السعودية حضورها في المؤتمرات المناخية، ودعمت المبادرات البيئية العالمية.
ويمثل تعيين عادل الجبير مبعوثًا لشؤون المناخ خطوة تعكس اهتمام المملكة بتوسيع حضورها في الملفات البيئية الدولية.
كما يشمل التعاون الدولي تبادل الخبرات، وتطوير الطاقة النظيفة، وتعزيز برامج التكيف المناخي.
الإعلام الرقمي.. قوة الانتشار والتأثير
أصبح الإعلام الرقمي أحد أهم أدوات نشر الرسائل البيئية.
وتشير المؤشرات إلى أن نسبة استخدام الإنترنت في السعودية تتجاوز 99%، فيما يصل عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى نحو 35 مليون مستخدم.
هذا الانتشار منح الحملات البيئية قدرة أكبر على الوصول، وتحويل الرسائل إلى حملات مجتمعية واسعة التأثير.
تحديات تواجه الإعلام البيئي
رغم التطور الملحوظ، يواجه الإعلام البيئي تحديات تتعلق بالحاجة إلى صحافة متخصصة، وكوادر تجمع بين المعرفة العلمية والقدرة على الصياغة الصحفية.
كما تحتاج القضايا البيئية إلى معالجة مستمرة تتجاوز الطابع الموسمي.
مستقبل الإعلام البيئي.. نحو ثقافة مستدامة
تشير المؤشرات إلى أن الإعلام البيئي في السعودية يتجه نحو مرحلة أكثر نضجًا، مدعومًا بالمشروعات الكبرى، والاقتصاد الأخضر، والدبلوماسية البيئية.
وباتت البيئة اليوم جزءًا من مشروع وطني شامل، يتجاوز فكرة المناسبة نحو بناء ثقافة مجتمعية مستدامة.
وفي ظل استمرار التحولات التنموية، يبدو أن الإعلام البيئي سيكون أحد أكثر المجالات تأثيرًا، باعتباره حلقة وصل بين الإنسان والطبيعة، وبين التنمية والاستدامة.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020