||
مطر آل عاطف
البوصلة الفنية لأي بلد لا بد أن يوجهها مبدأ و ثراث ثقيل تسير به وتريه للآخرين فالفنان سفير عقلِه ثم نفسه قبل بلده وقد قالها الجاحظ منذ قرون طوال مضت، ان اختيار الرجل قطعة من عقله واعني هنا اختيار الدور الذي لن ينجح العمل الفني إلا به وجميع المشاركين بالعمل ابتداءً بالمنتج و المخرج إلى الكومبارس (صاحب المشهد الواحد او الذي يظهر ولا يتحدث في الفلم) يراهنون على البطل او على الاقل صاحب الدور الرئيسي لأن الأنظار تهتم به وتركز عليه فأذا فَشِل في أداء الدور لن يبقى للعمل أثر حقيقي على قلوب المشاهدين احمد زكي رحمه الله كان على حد وصفي (فؤادً يأِنْ) اذا ظهر على الشاشه و بدأ أدائه تكاد لا تجد غلطه اذا مثَّل دور الفلاح البسيط فهو ابو الغلابه واذا كان سياسي فهو ابو الحِكْمة واذا قام بدور مجرم فهو ابو الكبائر واذا قام بدور معلم مدرسي فهو الخائف على التلاميذ اكثر من والديهم لأنه يمثل بفؤادُه وليس بعقله وانا اقطع ان احمد زكي كان قارئ نَهِم لعلم النفس ومدارسه وامراضه فموهبه أشبه بالظاهرة كموهبته التي تخلب الألباب لا يملكها الا من اشتغل بالقرآءه في كتب العلوم الإنسانية كعلم النفس و علم الاجتماع وخلافها ولو تأمَّل المُشاهد أفلامه سيجزم انه لا أحد يستطيع أن يقوم بالدور مثل ما يتقمصه هو… ماهو مرسوم في السيناريو على الورق لدى احمد زكي القدرة ان يجعله وكأنه رُسِم له ليس لأحدٍ غيره و الأجمل ان احمد زكي يأنف من أدوار في أفلام مايسمى بأفلام المقاولات التي هدفها الأول ربحي وهي غارقه في الإغراء و الحديث عن الجنس و الحشيش و الألفاظ السوقية باختصار هي افلام بلا هدف؛ فأحمد زكي يريد أن يُذكر بعد موته بأعماله الخالده التي كانت تنقل صورة المظلوم الحقيقيه و معاناته و البيئة التي كان فيها بكل تجرد وبدون مكياج ولا شك أن لدي تحفظات على المرحوم في بعض ادواره، واليوم نُدرِك ان وفاته ظهرت بحق في وفاة الفن المصري بعده وبعدها في العالم العربي فمصر إما ان تكون صاحبة الريادة التي تعدي من حولها إيجابياً او تقتل من حولها حتى الكُتَّاب المصريون يكادون يفقدون مهارة الكتابه لأي فلم بسبب ان المعايير التي لديهم هي معايير تخص مهارة بحجم احمد زكي ولا تخص انصاف الموهوبين الذين عندهم او بالأحرى عطاشى للبروز يريدون الظهور فقط لمجرد الظهور اما احمد زكي لا يظهر الا وتستفيد من ظهوره سواءً في مقابله متلفزة او مشهد او ندوة لطلاب جامعة لانه صاحب رساله ، احمد زكي رحمه الله كان فنانً مُثقفاً وهو ما لا نجده اليوم في فناني الصف الأول الذين يستلمون جوائز في وقتنا الحالي بغزارة لا أدري عن ماذا ولأجل ماذا وكذلك في السعودية بعد موت بكر الشدي رحمه الله وبلا شك هو فنان مثقف لا تجد من يجيد أدوار بكر الشدي مثل بكر الشدي فأدواره التي كانت لغيره لن يستطيع احد ان يُكيِّفها مثله فتكييف حال الشخصية وبيئتها أزعم انه لم يفلح فيه فنان سعودي كبكر الشدي رحمه الله و الأمر ذاته لأحمد زكي الشاب الأسمر الذي و بكل اسف وحُرقه أبدى الفنان العالمي روبرت دي نيرو أسطورة هوليوود ألمه حينما علم بموته وقال احمد زكي هو فنان خسرته هوليوود ( واعزو ذلك لأن الأخير كان لا يجيد الأنجليزية) بمعنى أن حاجز اللغة هو ما اوقف احمد زكي عن الوصول للعالمية.
فسؤالي بعد رؤية السبهلله التي تُعرَض في رمضان من الذي يتحملها ومن الذي يباركها من منتجين ومخرجين واين دور وزراء الثقافة العرب و وزراء الإعلام العرب وهذا يطرح سؤال جوهري حول ما هي مقومات وزير الثقافة وما جوهر معرفته وخبرته فحاجة اجتماعهم بقيادة مصر بوزنها الثقيل أصبح كحاجة لقاء وزراء الخارجية لبعضهم البعض فكما ان الأوضاع السياسية تُجبِر وزراء الخارجية على الاجتماع والتباحث و التخطيط وتوقيع الاتفاقيات فكذلك الأوضاع الفنية في العالم العربي أرى انها مُدَمَّرة والأسوأ انها كما نقول بالعامية ( مضيِّعَه الطاسة) فاقدة للبوصلة لأننا فنياً بلا رُبّان وسبب اختياري لمصر لأنها الاثقل وزنا فنياً مصر ام كلثوم مصر عبدالحليم مصر نجيب محفوظ مصر احمد زكي؛ فمصر هي المحبس الفني للعالم العربي بِشِقَّيه الغنائي والسينمائي إن لم يتم تلافي هذا الخطر العظيم فأظن و إن بعض الظن إثم اننا ماضون بلا وُجهة مع قناة ام بي سي (شاشة كل العرب) كما تزعم المحطة و تروِّج لنفسها.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020