||
رناد عبدالرحمن
في هذا العصر كثرت النقاشات في مختلف المجالات، ولعلّنا نتذكّر أنّ زيادتها هي زيادة الكسب العلمي لدى المرء، لكن لنا وقفة في عصرنا الحالي حول أهم ركائز العلاقات وهي (ثقافة الإنصات)
قد نُصادف في مجالسنا ممن يظن أنّ انصاته واصغاؤه لحديث من أمامه ضعف، أو كما يُسمّى (صامتٌ في المجالس) لكن لا نعلم أنّ الكنز الحقيقي يكمن في ذلك، وهو أولى خطوات نجاح المرء في حياته وعلاقاته الاجتماعية، واكتسابه من أهم الاكتسابات، التي تسدّ باب الهفوات وتخفف الخِلافات، وتزيد من قوّة العلاقات، إضافة إلى كونها من أهم المهارات التربوية التي تحفظ المكانة الاجتماعية .
ونجد ثقافة الانصات في كتابَ الله عزّ وجل منهجاً للصلاح في قوله تعالى:
(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) يقول أهل العلم: إنما يُقبِل على دعوتك أيها الرسول، ويلبي نداءَ الحق، أولئك الذين يسمعون كلامك سماعَ فهم وتدبُّر.
ونجدها عند رسول الله في نشره الرسالة فقد قال عمرو بن العاص (كان رسولُ الله ﷺ يُقبِل بوجهِه وحديثِه على شرِّ القوم يتألَّفُهم، وكان يقبِل بوجهِه وحديثِه عليَّ حتى ظننتُ أني خيرُ القوم)
وبما أنه لنا في رسول الله أسوةٌ حسنة في كلّ مهارات التربية والتواصل في حياتنا بشتى المجالات، فلتعلم أنّ ثقافة الانصات ستخرجك من عوائق قد لا تنتبه إليها إلا بعد فوات الأوان، مثل أن تحكم بقرارات مُسبقة قبل انتهاء الحديث، أو حرمانك من معلومة قد تكون تجهلها، والأهم من ذلك كلّه قلة من يحدّثك باحترام وأدب، لكونك تنشغل أو تقاطعهم حينما يتحدّثون.
وكانت ثقافة الانصات إحدى الركائز التي أرتكى عليها عبدالملك بن مروان في علو مكانته الاجتماعية والاحترامٌ لمسمّاه فقط منذ عام ٦٥هـ حتى الآن:
قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت جالساً عند عبد الملك بن مروان، وكنا نخوض في الفقه والمذاكرة وأشعار العرب، وأمثال الناس، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الإتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم، ( وحسن استماعه إذا حُدَّث ) فخلوت معه ليلة فقلت له: والله إني لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرفك وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلاً، فسترى العيون طامحة إلي، والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إلي، فلعلك تنقل إلي ركابك، فلأملأن يديك
لما أفضت إليه الخلافة توجّهت إليه فقال لي: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت: نعم، فقال: والله ما هو بميراث وعيناه، ولا أثر رويناه، ولكنّي أخبرك بخصال منّي سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى. ما خنت ذا ودّ قطّ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ، ولا أعرضت عن محدّث حتّى ينتهي حديثه، ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذّذا بها فكنت أؤمّل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي، وقد فعل”
فإحراز مكانتك العالية في المجتمع لها تغييرات وخطوات حتى تصل إليها كما ترغب
وتحدّث الدكتور سعد الخثلان في محاضرته (أهمية الاتصاف بمهارة حسن الانصات) قال :
”وتجد من يتصف بمهارة حسن الانصات محبوبٌ من الجميع”
وكلامه ينقلنا إلى التأمل في علاقاتنا الإجتماعية، فنجد غالبًا أن من يتصّف بحسن الانصات يكون له قبولاً في الاقبال عليه والتحدث معه
و أخيراً زكِّ نفسك قبل تزكية الدهر لك فقد ( أفلح من زكّاها )
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020