||

البحتري الحائك المتنوق

24 فبراير، 2026

مطر آل عاطف

‏@INTERES03845657 

أي شاعر لا بد من أن يترك بصمة واضحة تدل عليه و على أسلوبه وإذا جئنا لتصنيف البحتري و للإنصاف فهو بين الشعراء كالخياط الماهر الذي يسعدك بمجرد النظر لشغله و تطريزه الفاخر. 

أو بالأحرى إذا جئت بوجه آخر حينما اقرأ أبياته أشعر بنفس شعور الرجل الذي تقع عينه على امرأة جميلة غانية :

فَمِن لُؤلُؤٍ تَجلوهُ عِندَ اِبتِسامِها

وَمِن لُؤلُؤٍ عِندَ الحَديثِ تُساقِطُه

هذا بيت تبتسم لا إراديًا بعد قرائته تمكن من جعل تشبيه أسنان معشوقته باللؤلؤ و كلامها كذلك كاللؤلؤ، مهارة فذة بلا شك. 

 

و من لطيف قوله في مدح الوزير عبيد الله و هي طويله اخترت منها:

 

وَلَمّا دَبَّرَ الدُنيا اِستَعاضَت

جَوانِبُها الصَلاحَ مِنَ الفَسادِ

تُحَلُّ بِذِكرِهِ عُقَدُ النَواحي

وَتُفتَحُ بِاِسمِهِ أَقصى البِلادِ

 

و هذا مدح لطيف المبنى كبير المعنى يعبر عن الكثير و يشهد للبحتري بالفذاذة.

 

وله في الحكمة التي تعلمها من حياته : 

مَتى أَحرَجتَ ذا كَرَمٍ تَخَطّى

إِلَيكَ بِبَعضِ أَخلاقِ اللَئيمِ

وكم من موقف في حياتنا نرى سفهاء يدفعون أناس نراهم من احكم الناس إلى غضبة و جهل شديد بسبب الاستفزاز. 

 

و من أعجب والطف ما قرأت له كغيره من الشعراء يذم المشيب و الشَعَرَ الأبيض في الرأس:

جَلَوتُ مِرآتي فَيا لَيتَني

تَرَكتُها لَم أَجلُ عَنها الصَدا

كَي لا أَرى فيها البَياضَ الَّذي

في الرَأسِ وَالعارِضِ مِنّي بَدا

يا حَسرَتا أَينَ الشَبابُ الَّذي

عَلى تَعَدّيهِ المَشيبُ اِعتَدى

شِبتُ فَما أَنفَكُّ مِن حَسرَةٍ

وَالشَيبُ في الرَأسِ رَسولُ الرَدى.

وهذا أخف و الطف هجاء للشيب على عكس بصمات غيره من الشعراء الذين يهاجمون المشيب هجوما عنيفا و يجعلونه نقص في خلق الآدمي و مذمة حتى تكاد ابياتهم تَبكي و تُبكي، أما هو فاختار التلطف و التوجع بهدوء في وصفه لرحيل الشعرات السود من رأسه. 

 

و من طريف معانيه و مبانيه هجاء رجل نصراني يقال له إسرائيل النخاس و قصته أن البحتري أراد بيع غلام فارسي له في سوق العبيد فأعطاه إسرائيل سعر ضعيف مقابل الغلام فغضب البحتري وأنشد:

أَرانا لانَزالُ نُسامُ خَسفاً

بِرِجسِ النَفسِ رِجسَ الوالِدَينِ

مَتى نَرضى وَدَجّالُ النَصارى

يُقَوِمُ ما يَراهُ بِفَردِ عَينِ

وَأَجوَرُ خُطَّةٍ طاوُوسُ حُسنٍ

يُوَلّى الحُكمَ فيهِ غُرابُ بَينِ

 

شبه غلامه بالطاووس والنصراني بغراب البين ولم يتفحش بالهجاء كغيره من الشعراء وأحسب أن اللطافة و الأناة جزأ من نفس البحتري و عذوبة في شفتيه. 

ومن المقاربات بين أسلوبه وبين أسلوب المتنبي في الاعتداد بالنفس و الامتعاض من العذَّال و حرقة قلوبهم منه يمدح الامير محمد بن علي:

لَيُواصِلَنَّكَ رَكبُ شِعرٍ سائِرٍ

يَرويهِ فيكَ لِحُسنِهِ الأَعداءُ

حَتّى يَتِمَّ لَكَ الثَناءُ مُخَلَّداً

أَبَداً كَما تَمَّت لِيَ النَعماءُ

فَتَظَلُّ تَحسُدُكَ المُلوكُ الصيدُ بي

وَأَظَلُّ يَحسُدُني بِكَ الشُعَراءُ.

 

وما شدني في ديوان البحتري هو أنه لا يحتاج لشرح فالابيات تشرح نفسها و يفهمها العامي و الأديب و قلما تجد شاعراً مثله قصائده تشبه شمس الغروب لطيفة شفافة إذا قرأتها كأني انظر لنسج خياط ماهر تعجبني ثيابه التي صنع و تطريزه لأطراف الثوب حتى جعل اللابس يزهو بالملبوس كم نفتقد لشعر مثل هذا ولشاعر مثله إن كان له مثيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...