||
فاطمة الشهري
@AlshehriFatmah0
في حياة الأمم، هناك تواريخ تمر، وهناك تواريخ تبقى. تواريخ لا تُحفظ في الكتب فقط، بل تُحفظ في الوعي الجمعي، وفي شعور الناس بانتمائهم إلى قصة أكبر منهم. ويأتي يوم التأسيس السعودي بوصفه أحد تلك التواريخ التي لا تُستعاد لمجرد الذكرى، بل لاستعادة المعنى.
في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، يستحضر السعوديون لحظة مفصلية تعود إلى عام 1727م، حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى في الدرعية، لتبدأ رحلة بناء كيان سياسي قائم على الوحدة والاستقرار والهوية. لم يكن ذلك التأسيس حدثًا عابرًا، بل كان بداية مشروع دولة استطاع أن يصمد، ويتجدد، ويتحول عبر القرون إلى ما نراه اليوم في المملكة العربية السعودية من حضور وتأثير.
ما يميز يوم التأسيس أنه لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يعيد ربط الحاضر بجذوره. في هذا اليوم، يعبّر الشعب السعودي عن اعتزازه بهويته بطرق متعددة؛ من ارتداء الأزياء التراثية التي تعكس عمق التنوع الثقافي، إلى المشاركة في الفعاليات الوطنية، واستحضار رمزية المكان الأول الذي انطلقت منه فكرة الدولة. إنه احتفال بالثبات، وبالقدرة على الاستمرار رغم تحولات الزمن.
وفي المدارس، يأخذ يوم التأسيس بعدًا تربويًا يتجاوز المظاهر الاحتفالية. إذ تحرص المؤسسات التعليمية، بإشراف وزارة التعليم السعودية، على تحويل هذه المناسبة إلى تجربة معرفية يعيشها الطالب، لا مجرد مناسبة يمر بها. يشارك الطلاب في الإذاعات المدرسية، ويقدمون العروض، ويرتدون الأزياء التراثية، ويتعرفون على تاريخ وطنهم بوصفه جزءًا من هويتهم الشخصية. هنا، لا يتعلم الطالب تاريخ وطنه فقط، بل يتعلم موقعه داخل هذا التاريخ.
إن الأثر الحقيقي لمثل هذه المناسبات لا يقاس بعدد الفعاليات، بل بعمق الوعي الذي تزرعه. حين يفهم الطالب أن وطنه لم يولد فجأة، بل تأسس بإرادة، وحُفظ بتضحيات، واستمر بإيمان أبنائه، فإنه يبدأ بالنظر إلى مستقبله بوصفه امتدادًا لهذه المسيرة، لا انفصالًا عنها.
يوم التأسيس، في جوهره، ليس احتفالًا بالماضي بقدر ما هو تأكيد على الاستمرارية. هو تذكير بأن الدول التي تعرف جذورها، تكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها. وأن الهوية ليست شعارًا يُرفع، بل وعيًا يُبنى، وانتماءً يُعاش.
وفي كل عام، حين يرفع السعوديون علمهم في هذا اليوم، فهم لا يحتفلون فقط ببداية دولة، بل يحتفلون بقصة وطن… ما زالت تُكتب .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020