||
الدكتور محمد السريحي
@alserihimohamed
ببالغ الحزن والأسى تلقّى الوسط الثقافي نبأ رحيل الأديب والناقد الدكتور سعيد السريحي ، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي والفكري في الساحة الأدبية السعودية والعربية . لقد كان رحيله خسارة كبيرة للمثقفين والقراء ، ولكل من أدرك قيمة الكلمة ودورها في صناعة الوعي وبناء الإنسان .
ومن المفارقات الجميلة أنني تعرّفت على الدكتور سعيد السريحي عبر منصات الثقافة والأدب في وطننا الغالي ، من خلال الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة . ورغم أننا ننتمي إلى العائلة نفسها، فإن ظروف الحياة وفارق السن حالا دون لقائنا في وقتٍ سابق ، غير أن لقاءاتنا تكررت لاحقًا خلال عملي مستشارًا للجمعية ، وتلبيةً لدعوة مديرها الأستاذ محمد آل صبيح. ومن خلال منتدى «جدة للدراسات النقدية» التقيته مرارًا ، بحضور نخبة من المثقفين والباحثين ، في خطوة هدفت إلى إثراء المشهد الثقافي وتعزيز أدوات البحث النقدي ، وكان الدكتور سعيد السريحي أحد ركائز هذا المنتدى .
وعندما نتحدث عن سيرة الدكتور سعيد السريحي ، فإننا نتحدث عن فارس الكلمة والأديب المثقف والناقد المتبصّر ، كما نتحدث عن الإنسان قبل كل شيء ؛ فقد كان دمث الخلق لين الجانب متسامحًا مع الجميع ، محبًا للبسطاء، فبادلوه المحبة والتقدير .
تحدّث الدكتور سعيد السريحي في أطروحاته عن التحولات الاجتماعية ، وعن الانتقال من المجتمع التقليدي (البداوة) إلى المجتمع المدني الحديث ، مشيرًا إلى حالة الاغتراب التي قد يعيشها الإنسان في مراحل التحول . ولعل هذه الرؤية أسهمت في صقل شخصيته ناقدًا وأديبًا ، وجعلت مشروعه الفكري قراءة واعية لتحولات المجتمع والثقافة .
تميّز الدكتور السريحي بمكانته العلمية والفكرية ؛ إذ جمع بين التكوين الأكاديمي العميق والرؤية النقدية المتجددة . لم يكن ناقدًا تقليديًا يكتفي بتحليل النصوص ، بل كان صاحب مشروع فكري يسعى إلى إعادة قراءة التراث والأدب بروح نقدية معاصرة ، مؤمنًا بأن الثقافة كائن حي يتطور بالحوار والتفاعل . وعُرف بجرأته في الطرح ، وحرصه على إعلاء قيمة العقل ، والدعوة إلى الانفتاح وتقبّل الاختلاف .
أسهم الراحل في إثراء الحركة الثقافية عبر مشاركاته في الندوات والمؤتمرات والبرامج الإعلامية ، إضافة إلى مؤلفاته وأبحاثه التي تناولت قضايا النقد والحداثة والهوية . وكان صوته حاضرًا في النقاشات الفكرية الكبرى ، مدافعًا عن حرية الإبداع ، ومؤكدًا أن الأدب رسالة تتجاوز حدود الجمال إلى مساءلة الواقع واستشراف المستقبل .
ولم يقتصر أثره على الجانب الأكاديمي ، بل امتد إلى الأجيال الشابة التي وجدت فيه معلمًا ومرشدًا وداعمًا للمواهب الجديدة ؛ فقد آمن بأن الثقافة مسؤولية مشتركة ، وأن تمكين الشباب نواة المستقبل ، والطريق إلى ضمان استمرار الحراك الأدبي وتجدده .
ومن الجميل أن الدكتور سعيد السريحي كان يمتلك رؤية استشرافية للمستقبل ، ويحمل لواء التفكير الناقد والبناء ، مؤكدًا أن التقدم بالعلم والثقافة هو السبيل لقيادة الأمم . وقد انسجم هذا الطموح مع ما خططت له قيادتنا الحكيمة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – وبرعاية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – الذي جعل الثقافة ضمن مستهدفات رؤية المملكة ، تعزيزًا لدورها الحضاري وترسيخًا لمكانتها بين الدول المؤثرة عالميًا .
ولن أقول إن رحيل الدكتور سعيد السريحي سنة كونية فحسب ، بل هو فراغ ثقافي وأدبي نشعر به ويصعب تعويضه . غير أن عزاءنا أن إرثه الفكري سيبقى شاهدًا على مسيرته الحافلة بالعطاء ، وستظل كتاباته وأفكاره منارة تهدي الباحثين والمهتمين بالأدب والنقد، وتذكّرنا بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تعيش بعد صاحبها ، وأن الأثر الثقافي الحقيقي لا يغيب برحيل الجسد .
رحم الله الدكتور سعيد السريحي ، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان ، وجزاه عن الثقافة العربية خير الجزاء .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020