||

الدكتور سعيد السريحي… أثرٌ باقٍ في ذاكرة الثقافة العربية

12 فبراير، 2026

الدكتور محمد السريحي

@alserihimohamed

ببالغ الحزن والأسى تلقّى الوسط الثقافي نبأ رحيل الأديب والناقد الدكتور سعيد السريحي ، أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي والفكري في الساحة الأدبية السعودية والعربية . لقد كان رحيله خسارة كبيرة للمثقفين والقراء ، ولكل من أدرك قيمة الكلمة ودورها في صناعة الوعي وبناء الإنسان .

ومن المفارقات الجميلة أنني تعرّفت على الدكتور سعيد السريحي عبر منصات الثقافة والأدب في وطننا الغالي ، من خلال الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة . ورغم أننا ننتمي إلى العائلة نفسها، فإن ظروف الحياة وفارق السن حالا دون لقائنا في وقتٍ سابق ، غير أن لقاءاتنا تكررت لاحقًا خلال عملي مستشارًا للجمعية ، وتلبيةً لدعوة مديرها الأستاذ محمد آل صبيح. ومن خلال منتدى «جدة للدراسات النقدية» التقيته مرارًا ، بحضور نخبة من المثقفين والباحثين ، في خطوة هدفت إلى إثراء المشهد الثقافي وتعزيز أدوات البحث النقدي ، وكان الدكتور سعيد السريحي أحد ركائز هذا المنتدى .

وعندما نتحدث عن سيرة الدكتور سعيد السريحي ، فإننا نتحدث عن فارس الكلمة والأديب المثقف والناقد المتبصّر ، كما نتحدث عن الإنسان قبل كل شيء ؛ فقد كان دمث الخلق لين الجانب متسامحًا مع الجميع ، محبًا للبسطاء، فبادلوه المحبة والتقدير .

 

تحدّث الدكتور سعيد السريحي في أطروحاته عن التحولات الاجتماعية ، وعن الانتقال من المجتمع التقليدي (البداوة) إلى المجتمع المدني الحديث ، مشيرًا إلى حالة الاغتراب التي قد يعيشها الإنسان في مراحل التحول . ولعل هذه الرؤية أسهمت في صقل شخصيته ناقدًا وأديبًا ، وجعلت مشروعه الفكري قراءة واعية لتحولات المجتمع والثقافة .

 

تميّز الدكتور السريحي بمكانته العلمية والفكرية ؛ إذ جمع بين التكوين الأكاديمي العميق والرؤية النقدية المتجددة . لم يكن ناقدًا تقليديًا يكتفي بتحليل النصوص ، بل كان صاحب مشروع فكري يسعى إلى إعادة قراءة التراث والأدب بروح نقدية معاصرة ، مؤمنًا بأن الثقافة كائن حي يتطور بالحوار والتفاعل . وعُرف بجرأته في الطرح ، وحرصه على إعلاء قيمة العقل ، والدعوة إلى الانفتاح وتقبّل الاختلاف .

 

أسهم الراحل في إثراء الحركة الثقافية عبر مشاركاته في الندوات والمؤتمرات والبرامج الإعلامية ، إضافة إلى مؤلفاته وأبحاثه التي تناولت قضايا النقد والحداثة والهوية . وكان صوته حاضرًا في النقاشات الفكرية الكبرى ، مدافعًا عن حرية الإبداع ، ومؤكدًا أن الأدب رسالة تتجاوز حدود الجمال إلى مساءلة الواقع واستشراف المستقبل .

 

ولم يقتصر أثره على الجانب الأكاديمي ، بل امتد إلى الأجيال الشابة التي وجدت فيه معلمًا ومرشدًا وداعمًا للمواهب الجديدة ؛ فقد آمن بأن الثقافة مسؤولية مشتركة ، وأن تمكين الشباب نواة المستقبل ، والطريق إلى ضمان استمرار الحراك الأدبي وتجدده .

 

ومن الجميل أن الدكتور سعيد السريحي كان يمتلك رؤية استشرافية للمستقبل ، ويحمل لواء التفكير الناقد والبناء ، مؤكدًا أن التقدم بالعلم والثقافة هو السبيل لقيادة الأمم . وقد انسجم هذا الطموح مع ما خططت له قيادتنا الحكيمة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – وبرعاية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – الذي جعل الثقافة ضمن مستهدفات رؤية المملكة ، تعزيزًا لدورها الحضاري وترسيخًا لمكانتها بين الدول المؤثرة عالميًا .

 

ولن أقول إن رحيل الدكتور سعيد السريحي سنة كونية فحسب ، بل هو فراغ ثقافي وأدبي نشعر به ويصعب تعويضه . غير أن عزاءنا أن إرثه الفكري سيبقى شاهدًا على مسيرته الحافلة بالعطاء ، وستظل كتاباته وأفكاره منارة تهدي الباحثين والمهتمين بالأدب والنقد، وتذكّرنا بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تعيش بعد صاحبها ، وأن الأثر الثقافي الحقيقي لا يغيب برحيل الجسد .

 

رحم الله الدكتور سعيد السريحي ، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان ، وجزاه عن الثقافة العربية خير الجزاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...