||

أبي تمام الوفيّ الباكي

12 فبراير، 2026

مطر آل عاطف

‏@INTERES03845657 

لطالما كان البكاء على الاطلال و الذكريات الجميلة غرضاً لا غنى عنه في كل عصر و مصر منذ بدأ تداول الشعر شفهيًا بين الجاهليين إلى يومنا هذا و الذي تغير في عصرنا الحاضر أن الشعر الوطني و النشيد الوطني دخل كغرض و تعريف تقدم الدول نفسها به و تعرف عن همم شعوبها و عزائمهم فأغراض الشعر عندي تتجدد في بداية كل قرن لكن يبقى البكاء على الاطلال و الحديث عن الأوطان له نكهة خاصة عند كل شاعر منهم من تصل أبياته لكيان السامعين و منهم من لا تهز قصيدته شَعْرَه في رؤوسنا منذ أن افتتح امرؤ القيس معلقته :

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

 بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ

و كأنه فتح باب للشعراء من بعده أنه لا بأس إن لم تبدأ بالمعشوقة ليلى بل طَرِّز القصيدة بوطن عشت فيه و ترعرعت بين ربوعه قبل أن يصبح ذكرى مهجورة رحلت عنه و غادرته عشيرتك إلى مكانٍ أخصب و واحات أزين ليبدأوا من جديد. 

لكن مهما بلغت ذروتها أبيات كل شاعر فلا اظنني حتى الآن وصلت بين يدي أبيات في الحزن و اللوعة تضاهي ما قاله أبو تمام عن الذكريات و الديار و مراتع الصبى

فالمتأمل و القارئ الفذ المتذوق بحق لا يُقَدِّم في هذا الميدان أحداً عليه إلا بدليل حارق يمحق ما قاله أبو تمام :

أَعوامُ وَصلٍ كانَ يُنسي طولَها

ذِكرُ النَوى فَكَأَنَّها أَيّامُ

ثُمَّ اِنبَرَت أَيّامُ هَجرٍ أَردَفَت

بِجَوىً أَسىً فَكَأَنَّها أَعوامُ

ثُمَّ اِنقَضَت تِلكَ السُنونُ وَأَهلُها

فَكَأَنَّها وَكَأَنَّهُم أَحلامُ

البيت الأول هو صورة سينمائية عن طريقة عمل الذكريات في العقل البشري والبيت الثاني تجسيد لمعاناة المتباعدين و البيت الأخير عن قصيدة كاملة بل عن حالة شعورية لكل إنسان سوي لو راجع أحدنا ذكرى فهي تجر مئات الذكريات و الصور في عقولنا و كأنها حلم إلا اننا عشناه حقًا بذواتنا و تعاملنا فيه مع غيرنا ولكن قيمة الماضي في حياتنا اليوم هي صفر في معادلة الحاضر فليس لنا إلا الساعه التي نحن فيها أو كما قال طانيوس عبده :

ما مضى فات والمؤمَّل غيبٌ

ولك الساعة التي أنت فيها

وبالعودة لأبي تمام الذي يقطر وفاءً يبدو لي أن الهجر و النوى بمثابة مرض اليم عضوي يشعر به أبي تمام أثناء حدوثه بينه و بين أحبابه بدليل الشعور السلبي الكبير الذي يحسه القارئ نحو قصائده و كأنه ألم من أبي تمام اراد للسامع و القارئ أن يستشعروه و هذا ما خلد ذكر أبي تمام

ليومنا وسأضع جزء من قصيدة له يتوجع و يصف لحظة الفراق المؤذية له ولنا:

يَومَ الفِراقِ لَقَد خُلِقتَ طَويلا

لَم تُبقِ لي جَلداً وَلا مَعقولا

لَو حارَ مُرتادُ المَنِيَّةِ لَم يُرِد

إِلّا الفِراقَ عَلى النُفوسِ دَليلا

قالوا الرَحيلُ فَما شَكَكتُ بِأَنَّها

نَفسي عَنِ الدُنيا تُريدُ رَحيلا

الصَبرُ أَجمَلُ غَيرَ أَن تَلَدُّداً

في الحُبِّ أَحرى أَن يَكونَ جَميلا

أَتَظُنُّني أَجِدُ السَبيلَ إِلى العَزا

وَجَدَ الحِمامُ إِذاً إِلَيَّ سَبيلا

رَدُّ الجَموحِ الصَعبِ أَسهَلُ مَطلَباً

مِن رَدِّ دَمعٍ قَد أَصابَ مَسيلا

ذَكَرَتكُمُ الأَنواءُ ذِكرِيَ بَعضَكُم

فَبَكَت عَلَيكُم بُكرَةً وَأَصيلا

وَبِنَفسِيَ القَمَرُ الَّذي بِمُحَجَّرٍ

أَمسى مَصوناً لِلنَوى مَبذولا

إِنّي تَأَمَّلتُ النَوى فَوَجَدتُها

سَيفاً عَلَيَّ مَعَ الهَوى مَسلولا

بدأ بالامتعاض من يوم الفراق الطويل لِعِظَم الحدث وفي البيت الثاني يقول أن لحظة الفراق هي كالموت و فيها هلاك نفسي على احبتي و هي بالمناسبة خط مستقيم إلى الموت بالنسبة له حتى أن نفسه تريد مفارقة الحياة وهو يبكي و كذلك السماء تمطر مكرًا أشبه بالبكاء معي على فراق احبتي فلست وحدي المحزون الى أن وصف الفراق كالسيف المسلول عليه وكأنها حرب، نعم هذا أبو تمام بالفعل. 

و له بيتين آخرين:

إنْ يختلفْ ماءُ الوِصال فماؤنا

                   عذبٌ تحدَّرَ من غمام واحدِ

أو يفترقْ نسبٌ يؤلّفْ بيننا

                        أدبٌ أقمناه مَقامَ الوالدِ

يقول معلقاً الأستاذ عون السلولي عبر حسابه على منصة X :

لعلّ أبا تمّام أوّل من وثّقَ رابطة الأدب ، وأقامها مقام الأخوّةِ والنّسَب .

يظهر لي ولك عزيزي القارئ أن أبا تمام لم يكن من هواة الخصومات بل يحب رأب الصدع و الألفة لشدة وفائه و على العموم ليس شاعر صدامي كجرير بن عطية و غرماؤه الأخطل و الفرزدق. 

أحسب أن فؤاده نقي للدرجة التي شُغِلَ بها عن معاداة خصوم يضيع بها نفسه في الهجاء المقذع كما خَلَّدَ غيره من الشعراء شعرهم به و بعضهم بقيت أبيات هجائه و مدحه و حكمه كالمتنبي و الأعشى . 

و من شدة سلامة صدره كان يمدح أحد امراء قبيلة طيء يقال له ابن عمرو و أبي تمام أيضا من نفس القبيلة:

أَظُنُّ الدَمعَ في خَدّي سَيَبقى

رُسوماً مِن بُكائي في الرُسومِ

و كأنه يخاطب نفسه و يتحدث عنها في آنٍ واحد ولو كنت حاضرًا لقلت له لم يبق دمعك وحده يا أبا تمام بل قصائدك الجزلى التي كنت تعرف بها عن نفسك. 

وهنا صاغ أبيات انتقيتها من أحد قصائده في مدح أحد ولاة الخليفة العباسي وهي بدون تسلسل فقط لأؤكد مغزى مقالي:

أَصَمَّني سِرُّهُم أَيّامَ فُرقَتِهِم

هَل كُنتَ تَعرِفُ سِرّاً يورِثُ الصَمَما

نَأَوا فَظَلَّت لِوَشكِ البَينِ مُقلَتُهُ

تَندى نَجيعاً وَيَندى جِسمُهُ سَقَما

لَمّا اِستَحَرَّ الوَداعُ المَحضُ وَاِنصَرَمَت

أَواخِرُ الصَبرِ إِلّا كاظِماً وَجِما

فَكادَ شَوقِيَ يَتلو الدَمعَ مُنسَجِماً

لَو كانَ في الأَرضِ شَوقٌ فاضَ فَاِنسَجَما

لا أظن أن الأبيات تحتاج لشرح بل حرقة الشاعر و استعار نار قلبه على فراق أهله و محبيه وحدها بالإمكان استشعارها بمجرد أخذ طلة على الأبيات والقصيدة جميلة في نظمها بعنوان (أَصغى إِلى البَينِ مُغتَرّاً فَلا جَرَما). 

يقول الكندي حينما سمع ابيات لأبي تمام يمدح الخليفة المعتصم بالله :

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ

في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

ما زدت أن شبهت الأمير بأجلاف العرب، وعندها اطرق أبو تمام برأسه هنيهة و أنشد :

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه

مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

فما كان للكندي إلا التسليم بموهبة أبي تمام ولكنه قال عبارته الشهيرة هذا الشاب لن يمكث طويلاً إنما ينحت الأبيات من قلبه، و قد صدق لم ي يُعَمَّر أبي تمام بل مات رحمه الله وهو شاب له ٣٤ ربيعاً وأحسب أنه مات من سكتة قلبية لوجده و حزنه على الأحباب و لحِسِّهْ المرهف .

لطالما شدتني معاني و مباني أبي تمام فلو راجعنا جُلَّ ديوانه لوجدنا ثلثيه شكوى من الفراق و الرحيل عن الوطن و الأحباب و مراتع الصبى، و الشعر العربي حين يدرسه المتخصص ينبغي أن ينظر للظروف الاجتماعية و السياسية التي عاشها الشاعر و السيرة الذاتية كذلك ، لكي يتمكن من فرز أبيات معينة داخل القصيدة كان الشاعر يتحدث عن مخاوفه و امانيه ويضعها في قالب خالد للعالمين يبقى بعد رحيله عن الحياة الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...