||
محمد بني فارس
@suleimanjojo
كلما رقَّ القلبُ يا صديقي ، ازداد شعوره بأنه غريبٌ في هذا العالم ، كأن الرِّقَّة وطنٌ صغير لا يسكنه إلا القِلَّة ، وكأن أصحاب القلوب الخفيفة يمشون وحدهم رغم ازدحام الحياة حولهم . رقيقُ القلب لا يحتمل قسوة العابرين ، ولا ينسجم مع الضجيج الذي يبتلع المشاعر دون أن يرفَّ له جفن . هو يرى الجمال في أشياءَ يعتبرها الناس عادية ، ويتأذّى من كلماتٍ يمرّ عليها الآخرون مرورًا باهتًا ، كأن حساسيته شرفةٌ تطلّ على كل شيىء وتُصاب بكل شيء .
هو القلب الذي يُسامح حتى وهو يتألّم ، ويمنح حتى حين ينقصه العطاء ، ويخاف على من يحبّ بطريقةٍ تجعل الوجع جزءًا من روتينه اليومي . يعرف كيف يُخبّئ دموعه بابتسامة ، وكيف يُطفئ قلقه بصمت ، وكيف يُحوّل خساراته إلى شوقٍ ناضج لا يشبه مرارات الآخرين . رقيقُ القلب لا يهرب من العالم، لكنه يهرب من أن يصبح قاسيًا مثل العالم .
وغربته ليست ضعفًا بل دليلٌ على أنّ في داخله مساحةً لم تُدنِّسها الحياة مساحةً لا تزال تؤمن بالصدق ، وتشتاق للوجوه النادرة التي تفهم أن الطيبة ليست سذاجة ، بل شجاعة تحتاج إلى راحة
كبيرة كي تبقى حيّة. لذلك يبدو الرقيق كأنه يسكن نصفه هنا ونصفه في مكانٍ لا يصل إليه أحد .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020