||

سفير المعنى و المبنى

27 يناير، 2026

مطر آل عاطف 

‏⁦‪@INTERES03845657‬⁩ 

يقول أبا الطيب في مدحه لأبن العميد الكاتب :

وَإِنَّ الفِئامَ الَّتي حَولَهُ

لَتَحسُدُ أَرجُلَها الأَرؤسُ

الوجه و الرأس عند العرب هو أكرم شيء

و احيانا تدل على رئيس قوم ولو كان شرًا مثل عبد الله بن أبي ابن سلول يلقب برأس المنافقين ، لكن انظر لتلاعب المتنبي بالألفاظ التي لا تخطر على بال أحد جعل رؤوس الجموع التي في مجلس ابن العميد تحسد الأقدام لأن الإنسان يتحرك للخدمة بأرجله و هذا معنى و مبنى غير مسبوق من أي شاعر عربي إطلاقا ولا أظن أن هناك لاحق في الوقت الراهن على الأقل. 

لطالما شدتني معاني و مباني أبا الطيب بغض النظر عن جودة القصيدة كاملة لان المتنبي شاعر أشبه بروائي في عصرنا الحالي و كأنه ينسج قصة قصيرة عن بطل القصة انظر لما قال عن ابن العميد في موضع آخر: 

أَأَحزَمَ ذي لُبٍّ وَأَكرَمَ ذي يَدٍ

وَأَشجَعَ ذي قَلبٍ وَأَرحَمَ ذي كِبدِ

وَأَحسَنَ مُعتَمٍّ جُلوساً وَرِكبَةً

عَلى المِنبَرِ العالي أَوِ الفَرَسِ النَهدِ.

 

لك أن تتخيل كيف جعل الممدوح في بيت واحد يتصف بالحزم و الكرم و الفزعة و الشجاعة و الرحمة في آن واحد وأكمل في البيت الثاني بمدح طريقة صعود ابن العميد على المنبر و جلوسه على فرسه، ولا املك لنفسي إلا الإعجاب و الدهشة ، أظن أن ابن العميد بصفته أديب و خطيب لم يطرب قبل ذاك اليوم كما طرِب من المتنبي و عرف قدره بين المخلدين من الأدباء و الامراء في هذه الأمة المرحومة . 

ولا ينبغي أن اكتب عن المتنبي بدون ذكر لسيف الدولة الحمداني الذي كان يحبه حبًا جما ولا أظن أن المتنبي صادق أحد الصحبه كما كان لسيف الدولة و بدر بن عمار بن إسماعيل، فأعظم وصف للهيبة و رضوخ الخصوم و الاعداء لم اجد شاعر وصف الهيبة كوصف المتنبي لها يقول:

تَخِرُّ لَهُ القَبائِلُ ساجِداتٍ

وَتَحمَدُهُ الأَسِنَّةُ وَالشِفارُ

كَأَنَّ شُعاعَ عَينِ الشَمسِ فيهِ

فَفي أَبصارِنا مِنهُ اِنكِسارُ.

 

حاولت قبيلة كلاب و بنو نمير و عامر الخروج عن أمر سيف الدولة فسار إليهم بخميس عرمرم و استأصلهم و عادوا تحت حكمه بعد هذا الانتصار يمدح المتنبي و يقول خروا لك سجدا أسرى حتى شكرتك رماح جنودك و سيوفهم و كأن حضورك كالشمس حاد لا نقدر على إطالة النظر إليك القصيدة طويلة ولكن البيتين المذكورين أعلاه أشبه بقصة قائمة تروى مع صور جبارة خالدة بدقة لم يترك المتنبي لعقل السامع أي فرصة للتخيل بل قدم له صورة في ذهنه بسرعة البرق و كأن المتنبي ينحت في خيال السامع فلم قصير لأنه صاحب محتوى حقيقي. 

 

و على سبيل المثال لا الحصر سمعت عن عشاق كثيرين في تأريخ العرب كله يصفون اللقيا بعد الفراق كعنترة و جميل و قيس بن الملوح و كل واحد منهم يصف الشوق واللوعة بطريقته الخاصة لكن المتنبي وصفه نيابة عن كل العاشقين وصف لم اقرأ مثله ما حييت و يقول :

 

وَتَوَقَّدَت أَنفاسُنا حَتّى لَقَد

أَشفَقتُ تَحتَرِقُ العَواذِلُ بَينَنا.

 

بدأ باشتعال الأنفاس عند اللقاء و أنهاها بخوفه على العواذل و الحاسدين بأن يحترقوا بنار الشوق و خالف العادة كعادته لأن الشعراء حين يذكرون العذال في قصائدهم يبدأون بالذم و الشتم و الدفاع عن النفس أمام المحبوب إلا أبا الطيب فأبى و كاد أن يحرقهم و هذه صورة غير مسبوقة ، وللدكتور المبارك الحائز على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام محمد أبو موسى حفظه الله تعليق جميل عن المتنبي بعد إدامة النظر في شعره يقول رأيت في قصائد المتنبي عاشق بين أبياتها. 

 

ومما يلاحظ دائما وأبدا في قصائد المتنبي هو التسلسل المنطقي لكل مبنى من مباني الأبيات و كأنها رسمه لرسام إيطالي في عصر النهضة ولا يسمح المتنبي بأي خلل موضوعي لشخص أو صورة الممدوح كما فعل هنا و يقول :

 

وَإِن كُنتَ سَيفَ الدَولَةِ العَضبَ فيهِمِ

فَدَعنا نَكُن قَبلَ الضِرابِ القَنا اللُدنا

فَنَحنُ الأُلى لا نَأتَلي لَكَ نُصرَةً

وَأَنتَ الَّذي لَو أَنَّهُ وَحدَهُ أَغنى

يَقيكَ الرَدى مَن يَبتَغي عِندَكَ العُلا

وَمَن قالَ لا أَرضى مِنَ العَيشِ بِالأَدنى

فَلَولاكَ لَم تَجرِ الدِماءُ وَلا اللُها

وَلَم يَكُ لِلدُنيا وَلا أَهلِها مَعنى

وَما الخَوفُ إِلّا ما تَخَوَّفَهُ الفَتى

وَلا الأَمنُ إِلّا ما رَآهُ الفَتى أَمنا.

 

يقول له بما أنك سيف الدولة ولا مجال لسيف سواك فاسمح لنا أن نكون نحن الرماح فلا سيف إلا انت، لأننا نريد أن ننصرك مع العلم أنك وحدك تغني عنا جميعا… و هذا تزلف و تودد من أحلى ما يكون على مسامع الامراء و يصعد بشكل هرمي في المديح ويقول من يأتي إليك لا يبحث عن مجرد مال و عطاء بل يريد أن يرتقي مجتمعيا و يصبح من علية القوم وبطبيعة الحال لولاك ليس الدنيا معنى لأنه معك تتبدل حال المقبلين عليك إلى أحسن حال وليس غنى وحده ولذلك جعلت للدنيا في أعيننا معنى حقيقي للعيش بهناء و رفاه و سعه، وفي آخر بيت جعل التطريز حكمة كالعادة و رائعه من روائعه :

وَما الخَوفُ إِلّا ما تَخَوَّفَهُ الفَتى

وَلا الأَمنُ إِلّا ما رَآهُ الفَتى أَمنا.

 

وهذا بيت يغني عن بحث لأكبر دكتور في علم النفس يقول الخوف و الأمن هما ترجمة لاحاسيس داخلية لدى البشر فما نراه و نخاف منه قد لا يخيف غيرنا بل بعض الناس يسخر من تخوفات من حوله كما نرى مواقف كثيرة في حياتنا نتعجب من بعض أنواع الفوبيا لمعارفنا لم نكن على دراية بها و كذلك الأمن فما هو آمن بالنسبة لي قد يكون خطر محدق لشخص آخر. 

 

الحديث يطول في التسلسل المنطقي للممدوح عند أبا الطيب وما ذكرته ما هو إلا غيض من فيض ولكن اختم بقصيدة أحب قرائتها بين الفينة والأخرى، و لن أذكر اسم الممدوح لكي تتضح الفكرة التي أريد أن انسجها أنا و المتنبي في ذهن القارئ بأبيات متسلسلة و منتقاة من قصيدة واحدة :

أَلِفَ المُروءَةَ مُذ نَشا فَكَأَنَّهُ

سُقِيَ اللِبانَ بِها صَبِيّاً مُرضَعا

نُظِمَت مَواهِبُهُ عَلَيهِ تَمائِما

فَاِعتادَها فَإِذا سَقَطنَ تَفَزَّعا

تَرَكَ الصَنائِعَ كَالقَواطِعِ بارِقا

تٍ وَالمَعالِيَ كَالعَوالِيَ شُرَّعا.

 

امتدح مروءة و مكارم الأمير و جعلها جزء من جسمه و لحمه و كأنه لم يرضع لبنًا بل أرضعته أمه مكارما وجعل المتنبي أبياته بمثابة تمائم تحمي الأمير ، وفي الأخير جعل عطايا الأمير وصنائعه لمن حوله كالسيوف القاطعة و الرماح العالية دليل الظهور و وضوح الخير و العزة في الفعل. 

 

أَقصِر وَلَستَ بِمُقسِرٍ جُزتَ المَدى

وَبَلَغتَ حَيثُ النَجمُ تَحتَكَ فَاِربَعا

وَحَلَلتَ مِن شَرَفِ الفَعالِ مَواضِعاً

لَم يَحلُلِ الثَقَلانِ مِنها مَوضِعا

 

يقول له هنا كفاك علوا فقد صار النجم تحتك و شرفك في المخاليق حل مكانا لا يبلغه إنسٌ ولا جان ولا شك أن هذا غلو بالمديح ولعله بيت لا يصلح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قد برئ الله الشعراء في كتابه المجيد. 

 

نَفَذَ القَضاءُ بِما أَرَدتَ كَأَنَّهُ

لَكَ كُلَّما أَزمَعتَ شَيئاً أَزمَعا

وَأَطاعَكَ الدَهرُ العَصِيُّ كَأَنَّهُ

عَبدٌ إِذا نادَيتَ لَبّى مُسرِعا

أَكَلَت مَفاخِرُكَ المَفاخِرَ وَاِنثَنَت

عَن شَأوِهِنَّ مَطِيُّ وَصفي ظُلَّعا

وَجَرَينَ مَجرى الشَمسِ في أَفلاكِها

فَقَطَعنَ مَغرِبَها وَجُزنَ المَطلَعا.

 

وهنا تعلم أن الممدوح أمير لقد جعل الأيام و الأقدار موافقة لقرارات الأمير و عصيان الدهر على الناس وتقلب أحوالهم فيه لم يضر الأمير أبدا بل وكأن أيامه على هواه و كيف أرادها حتى أن الأمور التي يثنى و يمدح بها الأمير غلبت مكارم الكرماء وازرت بهم فلا يرى إلا فضله على الناس و طافت أخباره المشرق و المغرب فسمع به كل أحد وما عادت غريبة على الأمير أن الجود و السؤدد هما شهرته بين الناس. 

أما تاج القصيدة وأخيرا و هي بمثابة جرس الإغلاق عند المتنبي فهو أصل الأمير الممدوح و نسبه و ذكر والده ولزوم المدح اللانهائي الذي يجعل القارئ يعيد قراءة القصيدة :

قَد خَلَّفَ العَبّاسُ غُرَّتَكَ اِبنَهُ

مَرأىً لَنا وَإِلى القِيامَةِ مَسمَعا.

 

وجعلنا الآن المتنبي في حيرة هل يمدح الأب أكثر أم الإبن لكن الأكيد أن ذكركما سيستمر ما بقيت الدنيا. 

 

الجولات مع المتنبي لا تنتهي و مكارم الكلمات في أبياته لا تُغلق أبدا و التسلسل الهرمي في أبياته لم أرى مثله على الإطلاق، عند كثير من الشعراء أدرس واتذوق غرضاً واحدا، أما المتنبي فأشاهد مسرحية يونانية ملحمية خالدة ما بقي النيِّرِينْ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...