||
محمد بني فارس
@suleimanjojo
يبكي الرجال حين لا يعود للصوت جدوى ، وحين تضيق اللغة عن حمل ما يفيض في الصدر . يبكون عندما تُستنزف القوة في الصمت ، لا لأنهم عجزوا ، بل لأنهم أخلصوا للتماسك حتى آخر شقٍّ في الروح . فدمعة الرجل ليست ضعفًا طارئًا ، بل خلاصة صبر طويل ، ونقطة النهاية في سطرٍ كُتب بالاحتمال .
يبكي الرجل حين يكتشف أن بعض الخسارات لا تُعوَّض ، وأن ما يُنتزع من القلب لا يعوّضه الزمن ، مهما طال . يبكي حين يرى نفسه مسؤولًا عن وجعٍ لم يصنعه ، وحارسًا لأحلامٍ لم تكتمل ، وحين يُدرك أن الرجولة ليست في ألا يسقط ، بل في أن ينهض مرارًا دون أن يُصفّق له أحد .
أما دموع الرجال ، فليست مما يُرى . فهي لا تعرف طريق الخد، لأنها وُلدت أعمق من السطح . دموعهم فكرة موجعة ، لا سائل شفاف ؛ ثقلٌ داخليٌّ يعبر القلب دون أن يطلب شاهدًا . إنها دموع لا تنهمر ، بل تستقر … تتحوّل إلى صمت أثقل من البكاء ، وإلى وعي قاسٍ بأن بعض الأوجاع خُلقت لتُحتمل لا لتُعلَن . تسقط دموعهم إلى الداخل ، فتغسل الروح لا الوجه ، وتترك في الملامح ثباتًا خادعًا ، بينما القلب يخوض وحده طقوس الانكسار .
يبكي الرجل حين يُخاطَب داخله ولا يجد من يسمعه ، حين يحمل العالم على كتفيه ولا يشتكي ، وحين يخذله اليقين الذي عاش عمره يحميه . يبكي في لحظة صفاء قاسية ، حين يفهم أن القلوب القوية لا تنكسر بسهولة ، لكنها حين تنكسر … تفعل ذلك بصمتٍ مهيب .
فالرجال لا يبكون لأنهم انهزموا ، بل لأنهم بلغوا أقصى الصدق مع أنفسهم ؛ حيث لا مكان للتمثيل ، ولا حاجة للدموع المرئية .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020