||

نِصفُ الوجع

11 يناير، 2026

محمد بني فارس

‏⁦‪@suleimanjojo‬⁩

نِصفُ الوجع لا يُقاس بما يؤلم ، بل بما لا يجد طريقه إلى البكاء . هو الألم الذي يقف عند العتبة ، لا يدخل ليُدمِّر ولا يرحل ليُنسى ، بل يبقى معلّقًا كغصنٍ مكسورٍ لم يسقط بعد . كأنّ القلب تلقّى الضربة ، ثم قيل له : “تحمّل … لا تَمُت”.

نِصفُ الوجع هو وجعٌ مهذّب ، لا يصرخ في العلن ، ولا يشكو في الطرقات ، لكنه يتقن التخريب الصامت . يجلس في الداخل ، يغيّر ترتيب الأشياء ، يبدّل معنى الضحكة ، ويُربك دفاتر الذاكرة دون أن يترك بصمات واضحة . كل شيء يبدو طبيعيًا … إلا أنت .

هو ذلك الألم الذي لا يملك اسمًا واضحًا ، لا فاجعة مكتملة ، ولا خسارة مُعلَنة ، بل شعورٌ غائم ، كسماءٍ رمادية لا تمطر ولا تصفو . تسير به في يومك ، تحمله كما يحمل الجسد شظيّة صغيرة لا تقتلك ، لكنها تذكّرك في كل حركة أنك لست سليمًا .

نِصفُ الوجع يُعلّمك الاقتصاد في الإحساس . فلا تُفرِط في الفرح خشية أن ينكسر ، ولا تُبالغ في الحزن خوفًا من الانهيار . تعيش على المنتصف في منطقة آمنة بين الألم والاحتمال ، حيث القلب يتنفّس ببطء ، كمن خرج توًّا من غرقٍ طويل .

وفي الليل حين يهدأ كل شيء ، يخرج نِصفُ الوجع من مخبئه . لا ليبكي بل ليجلس قربك يحدّق في السقف ، ويذكّرك بأن ما فقدته لم يكتمل فقدانه ، وأن ما بقي فيك لم يكتمل شفاؤه . فتفهم أن بعض الأوجاع لا تريد حلولًا بل اعترافًا .

أنا أعرف نِصفَ الوجع …

لأنني عشتُه .

لأنني اختبرتُ ذلك الشعور حين لا تسقط تمامًا ، ولا تنجو تمامًا ، وتُجبر على أن تكون قويًا بما يكفي لتبدو بخير ، ومتعبًا بما يكفي لتعرف أنك لست كذلك .

نِصفُ الوجع لا يقتل

لكنه يغيّرك إلى الأبد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

9 يوليو، 2026
المسؤولية الذاتية في مواقع التواصل

ضيف الله نافع الحربي قبل...

2 يوليو، 2026
احترام المشاعر وتأكيدها

ضيف الله نافع الحربي في...

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

أوراق أدبية