||
محمد بني فارس
@suleimanjojo
نِصفُ الوجع لا يُقاس بما يؤلم ، بل بما لا يجد طريقه إلى البكاء . هو الألم الذي يقف عند العتبة ، لا يدخل ليُدمِّر ولا يرحل ليُنسى ، بل يبقى معلّقًا كغصنٍ مكسورٍ لم يسقط بعد . كأنّ القلب تلقّى الضربة ، ثم قيل له : “تحمّل … لا تَمُت”.
نِصفُ الوجع هو وجعٌ مهذّب ، لا يصرخ في العلن ، ولا يشكو في الطرقات ، لكنه يتقن التخريب الصامت . يجلس في الداخل ، يغيّر ترتيب الأشياء ، يبدّل معنى الضحكة ، ويُربك دفاتر الذاكرة دون أن يترك بصمات واضحة . كل شيء يبدو طبيعيًا … إلا أنت .
هو ذلك الألم الذي لا يملك اسمًا واضحًا ، لا فاجعة مكتملة ، ولا خسارة مُعلَنة ، بل شعورٌ غائم ، كسماءٍ رمادية لا تمطر ولا تصفو . تسير به في يومك ، تحمله كما يحمل الجسد شظيّة صغيرة لا تقتلك ، لكنها تذكّرك في كل حركة أنك لست سليمًا .
نِصفُ الوجع يُعلّمك الاقتصاد في الإحساس . فلا تُفرِط في الفرح خشية أن ينكسر ، ولا تُبالغ في الحزن خوفًا من الانهيار . تعيش على المنتصف في منطقة آمنة بين الألم والاحتمال ، حيث القلب يتنفّس ببطء ، كمن خرج توًّا من غرقٍ طويل .
وفي الليل حين يهدأ كل شيء ، يخرج نِصفُ الوجع من مخبئه . لا ليبكي بل ليجلس قربك يحدّق في السقف ، ويذكّرك بأن ما فقدته لم يكتمل فقدانه ، وأن ما بقي فيك لم يكتمل شفاؤه . فتفهم أن بعض الأوجاع لا تريد حلولًا بل اعترافًا .
أنا أعرف نِصفَ الوجع …
لأنني عشتُه .
لأنني اختبرتُ ذلك الشعور حين لا تسقط تمامًا ، ولا تنجو تمامًا ، وتُجبر على أن تكون قويًا بما يكفي لتبدو بخير ، ومتعبًا بما يكفي لتعرف أنك لست كذلك .
نِصفُ الوجع لا يقتل
لكنه يغيّرك إلى الأبد
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020