||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الحسد ليس شرًّا كامنًا في الشعور نفسه، بل في الفكرة التي تمنحه صلاحيته.
إنه انفعال طبيعي ينشأ من مقارنة الفرد بالآخرين، لكنه يصبح مؤذيًا حين تُبنى هذه المقارنة على تصوّرٍ ناقص عن الذات والعالم.
يمكن تشبيه هذا التصوّر بـ صفرٍ فكري؛ أي حالة من الانعدام الداخلي للقيمة الذاتية المستقلة، حيث يُقاس الإنسان فقط بما يمتلكه الآخر أو بما ينقصه.
الصفر هنا ليس رقمًا محايدًا، بل استعارة لمركزٍ فارغ في الوعي، قابلٍ للإضافة: فبمجرد أن تُضاف إليه وحدة الفهم أو وعي الذات، يتحوّل هذا النقص إلى قيمة حقيقية، كما تتحوّل فكرة ناقصة عن الحياة إلى فرصة للنمو الذاتي.
من هذا المنطلق، يصبح الحسد مؤشرًا معرفيًا واجتماعيًا، لا مجرد شعورٍ سلبي.
ألم الحسد لا يدل على شر داخلي فحسب، بل على خلل في تفسير الآخرين: إذ يُنظر إلى نجاحهم أو امتلاكهم للخير على أنه تهديد، لا مصدر إلهام أو نموذج للتعلّم.
هذا التشوّه في الرؤية قد يُفسد التواصل، ويُمهّد للظلم العاطفي أو السلوكي، مثل التقليل من قيمة الآخر، أو الانتقاد المفرط، أو حتى السعي لإلحاق الضرر غير المباشر.
الحسد هنا ليس شعورًا منعزلًا، بل قوة شكلية تؤثّر في نظرتنا للآخرين وفي طبيعة علاقاتنا بهم.
فالتمييز الجوهري بين الحسد والغبطة يُساعدنا في فهم اتجاه الانفعال وهدفه النفسي:
فالحسد يسعى إلى إنقاص الآخر، بينما الغبطة تسعى إلى تنمية الذات.
كلاهما ينبع من شعورٍ بالنقص، لكن اختلاف التفسير المعرفي والنية الكامنة وراء الانفعال هو ما يحوّله إما إلى تدمير وإما إلى بناء.
ينشأ الحسد عندما يُنظر إلى الخير الذي يمتلكه الآخر كتهديدٍ للوجود الذاتي، لا كفرصة للنمو، فيتولّد الألم الداخلي ورغبة في تقليص الآخر، وقد يتحوّل إلى قوة مدمّرة إذا لم يُصحَّح الفكر الموجِّه له.
أما الغبطة، أو الغيرة الإيجابية، فتبدأ من إدراك الشعور نفسه بالنقص، لكنها توجّه الرغبة نحو الذات: إذ يُنظر إلى خير الآخر كإشارة للتطوير والنمو، فتتحوّل الطاقة النفسية إلى دافع واعٍ للتحسين الذاتي دون المساس بالآخر، ليصبح الانفعال أداة للبناء بدل الهدم.
علم النفس العصري يعكس هذا التمييز: فالحسد ينشّط مناطق دماغية مرتبطة بالألم الاجتماعي، لكنه يعتمد على تفسير الفرد لنجاح الآخر بوصفه تهديدًا لهويته وقيمته الذاتية، لا مجرد المشاهدة.
الفكرة تصنع الانفعال، والفهم يحوّله، بينما يبقى دون وعي محفوفًا بخطر التأثير في الآخرين وإفساد التواصل الاجتماعي.
هنا تظهر قوة الوعي: ففهم الحسد لا يعني قمعه، بل تصحيح الفكرة التي تحرّكه.
إذا أدرك الفرد أن قيمة وجوده ليست قائمة على المقارنة بالآخرين، وأن المعنى لا يُستمد من التفوّق النسبي، يبدأ الانفعال نفسه بالتحوّل.
يصبح مؤشرًا على رغبة غير محقّقة، لا تهديدًا للآخر.
عندها يتحوّل الحسد من شعورٍ مُضعِف إلى طاقة واعية للنمو الذاتي، ومن ألمٍ صامت إلى سؤالٍ فعّال: ماذا ينقصني؟ لا: ماذا أريد أن أُنقِص من الآخر؟
هكذا، يتحرّر الحسد من وظيفته التخريبية ويستعيد بُعده الإنساني والاجتماعي.
يصبح مرآة لا سكينًا، وأداة وعي لا أداة إقصاء.
الصفر الفكري الذي كان نقصًا يتحوّل، بوحدة الفهم، إلى قيمة.
الأخلاق هنا ليست قواعد مفروضة، بل نتاج فهمٍ داخلي.
فالشر الحقيقي لا يولد من الشعور، بل من فكرة ناقصة لم يُصحّحها الوعي، ثم تنعكس على الآخر في صورة خللٍ تواصلي أو ظلمٍ متدرّج.
وعندما يتحقّق الفهم، يصبح الحسد، حتى في أقوى صوره، أداةً للنمو الذاتي والاجتماعي لا للإقصاء .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020