||
محمد بني فارس
@suleimanjojo
الحياةُ ليست طريقًا مُعبَّدًا كما نحبّ أن نُصدّق ، بل ممرٌّ طويلٌ من الأوجاع المتعاقبة ، كأنّ الألمَ هو اللغةُ الأولى التي نتعلّم بها معنى الوجود . نولدُ وفي قلوبنا مساحةٌ بيضاء ، ثم تبدأ الأيامُ بملئها بندوبٍ خفيّة ، لا تُرى بالعين ، لكنها تُعيد تشكيلنا بصمت .
نمضي ، لا لأن الطريقَ رحيم ، بل لأن التوقّفَ أشدّ قسوة . نتعلّم أن نحبّ رغم الخسارات ، وأن نضحك بينما شيءٌ في الداخل ينكسر على مهل . كأنّ الحياةَ تُدرّبنا على الفقد قطعةً قطعة ، لتجعلنا أقدرَ على تحمّل الخاتمة حين تأتي ، لا كفاجعة ، بل كهدوءٍ أخير .
الأوجاعُ لا تأتي دفعةً واحدة ؛ إنّها تتناوب علينا كفصولٍ لا تستأذن . وجعٌ يمرّ ليترك أثره ، ثم يسلّم المكانَ لوجعٍ آخر ، حتى نظنّ أنّ القلبَ صار ساحةَ عبورٍ لا تعرف السكون . ومع ذلك ، نُفاجَأ بأننا ما زلنا قادرين على الشعور ، وكأنّ الوجعَ لا يقتل الروح ، بل يوقظها .
أمّا الموتُ ، فليس عدوًّا كما صوّرناه طويلًا ، بل الخاتمةُ التي تُغلق النصّ بهدوء . هو النقطةُ الأخيرة في جملةٍ متعبة ، ليس عقابًا ، بل راحةٌ مؤجَّلة . بعد كل هذا الركض ، وكل هذا الاحتمال ، يأتي الموتُ كصمتٍ كامل ، لا يُوجِع ، ولا يُطالبك بشيء .
ثم بعد كل هذا التعاقب من الأوجاع ، لا يبقى من الحياة سوى أثرها فينا ؛ نصلُ إلى الموت لا كمن يُهزَم ، بل كمن يضع رأسه أخيرًا على وسادة الصمت . لا وجعَ هناك ، ولا أسئلة ، فقط هدوءٌ كامل … كأنّ الروح ، بعد طول سفر ، وجدت المكانَ الوحيد الذي لا يُطالبها بشيء .
اللهمّ أحسِن ختامنا ، وامنح قلوبنا سلامًا يسبق الرحيل .
واجعل آخر ما نلقاه منك رحمةً ، لا وجعًا ، وطمأنينةً لا يعقبها خوف .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020