||
محمد بني فارس
@suleimanjojo
ليست الأخلاقُ حِلْيَةَ مواسمِ الرخاء ، بل نارَ الاختبار حين يبرد كلُّ شيء . فإذا اشتدَّ العُسر ، انكشفت المعادن كما تنكشف الصخور تحت المطر ؛ يظهر الصافي ، ويذوب الزائف ، ويُعرَف إن كان الكرمُ طبعًا راسخًا أم قناعًا مؤقتًا ، وإن كانت الفضيلةُ زائرةً عابرة أم قدرًا يقيم في صاحبه ولا يرحل .
الكرامُ لا تُقاس قامتُهم بما في الجيوب ، بل بما في القلوب . قد تضيق معيشتُهم ، لكن أرواحَهم تتّسع كأفقٍ لا تُحدّه الجدران . في أيديهم قِلّة ، وفي صدورهم وفرة ؛ يمشون بخفّة من لا يعلّق ثقله على المال ، بل على المعنى ، ويعرفون أن القيم إذا صينت صارت أثقل من الذهب ، وأبقى من كل ما يُعَدّ ويُحصى .
أصلُهم غلّاب ، لا لأنه صلبٌ قاسٍ ، بل لأنه صادق . والصدقُ حين يلازم الإنسان يتحوّل إلى قوّةٍ خفيّة ، كجذرٍ عميق لا يُرى ، لكنه يمنع الشجرة من السقوط . لا يساومون على ملامحهم ، ولا يبدّلون وجوههم مع تغيّر الفصول ؛ يدركون أن الشرف إذا انكسر مرةً ، لا يُجبَر، وأن الاستقامة ليست موقفًا عابرًا ، بل طريقًا يُسلك كل يوم .
وإذا غابوا ، لم يخلُ المكانُ منهم . يبقى أثرُهم كما تبقى رائحةُ المطر في الأرض ، وكأن الذكرى صارت شكلًا آخر من الحضور . تُذكر أسماؤهم فتصفو السيرة ، لا ضجيج فيها ولا ادّعاء ، لأن الأخلاق كانت لغتهم الأولى ، ولأنهم عاشوا كما تُكتب النصوص الصادقة : بلا زينة زائدة ، وبلا حاجة إلى تفسير .
هكذا يصنع الأصلُ خلودَه ؛ فضيلةٌ لا تُفلس ، وذكرٌ لا يشيخ . هم كأشجارٍ عتيقةٍ على أطراف الدروب ، قد لا تُزهر كل عام ، لكن ظلَّها أمين ، ومن استظلّ بها مرةً ، عرف الطريق … ومضى مطمئنًا .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020