||

كرامٌ … وإن ضاق الطريق

6 يناير، 2026

محمد بني فارس

‏⁦‪@suleimanjojo

ليست الأخلاقُ حِلْيَةَ مواسمِ الرخاء ، بل نارَ الاختبار حين يبرد كلُّ شيء . فإذا اشتدَّ العُسر ، انكشفت المعادن كما تنكشف الصخور تحت المطر ؛ يظهر الصافي ، ويذوب الزائف ، ويُعرَف إن كان الكرمُ طبعًا راسخًا أم قناعًا مؤقتًا ، وإن كانت الفضيلةُ زائرةً عابرة أم قدرًا يقيم في صاحبه ولا يرحل .

 

الكرامُ لا تُقاس قامتُهم بما في الجيوب ، بل بما في القلوب . قد تضيق معيشتُهم ، لكن أرواحَهم تتّسع كأفقٍ لا تُحدّه الجدران . في أيديهم قِلّة ، وفي صدورهم وفرة ؛ يمشون بخفّة من لا يعلّق ثقله على المال ، بل على المعنى ، ويعرفون أن القيم إذا صينت صارت أثقل من الذهب ، وأبقى من كل ما يُعَدّ ويُحصى .

 

أصلُهم غلّاب ، لا لأنه صلبٌ قاسٍ ، بل لأنه صادق . والصدقُ حين يلازم الإنسان يتحوّل إلى قوّةٍ خفيّة ، كجذرٍ عميق لا يُرى ، لكنه يمنع الشجرة من السقوط . لا يساومون على ملامحهم ، ولا يبدّلون وجوههم مع تغيّر الفصول ؛ يدركون أن الشرف إذا انكسر مرةً ، لا يُجبَر، وأن الاستقامة ليست موقفًا عابرًا ، بل طريقًا يُسلك كل يوم .

 

وإذا غابوا ، لم يخلُ المكانُ منهم . يبقى أثرُهم كما تبقى رائحةُ المطر في الأرض ، وكأن الذكرى صارت شكلًا آخر من الحضور . تُذكر أسماؤهم فتصفو السيرة ، لا ضجيج فيها ولا ادّعاء ، لأن الأخلاق كانت لغتهم الأولى ، ولأنهم عاشوا كما تُكتب النصوص الصادقة : بلا زينة زائدة ، وبلا حاجة إلى تفسير .

 

هكذا يصنع الأصلُ خلودَه ؛ فضيلةٌ لا تُفلس ، وذكرٌ لا يشيخ . هم كأشجارٍ عتيقةٍ على أطراف الدروب ، قد لا تُزهر كل عام ، لكن ظلَّها أمين ، ومن استظلّ بها مرةً ، عرف الطريق … ومضى مطمئنًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...