||
عمرو بسيوني
@aabasuony
يلعب الانطباع الأول دورًا قويًا في تشكيل تصوراتنا عن الآخرين، ويترك أثرًا سريعًا ومستمرًا في أذهاننا، لكنه غالبًا ما يكون مضللًا وغير دقيق.
ففي حياتنا اليومية قد نصدر أحكامًا متسرعة على الأشخاص استنادًا إلى مظهرهم، أو أسلوب كلامهم، أو تصرفاتهم الأولى، دون منحهم الفرصة الكافية لإظهار حقيقتهم أو التعرف إلى نواياهم. هذا التسرع في الحكم قد يؤدي إلى فقدان فرص حقيقية، سواء كانت صداقات، أو علاقات عمل، أو حتى روابط أسرية، ويجعلنا نخسر أشخاصًا جيدين لمجرد أن الانطباع الأول لم يكن دقيقًا أو واضحًا.
وهذا ما يتوافق مع ما تحدث عنه وأكّد عليه علماء الاتصال والإعلام، بأن «الانطباع الأول من أكثر الانطباعات تأثيرًا على المتلقي»، لكن جلّ دراساتهم كانت تناقش التأثير النفسي والسلوكي على علم العلاقات الاجتماعية والإنسانية، دون التطرق إلى مسألة ما إذا كان هذا الانطباع الذي كوّنه الأفراد معيارًا حقيقيًا لتقييم العلاقات الاجتماعية أم لا، رغم أنه يُعد من أكثر الأمور التي تهدد العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع.
الأمر الذي يوضح أهمية الوعي الذاتي والاجتماعي، وفهم أن الانطباع الأول ليس معيارًا نهائيًا لتقييم الآخرين، بل هو مؤشر على رد فعلنا الأولي تجاههم. لذا لا بد من التأني والتروي قبل إصدار الأحكام على الآخرين. وعلى سبيل التوضيح، اكتشفت تأثير الانطباع الأول أكثر من مرة عندما قابلت أشخاصًا بدا لي بعضهم ودودًا ومثاليًا في اللقاء الأول، فكوّنت عنهم تصورًا إيجابيًا قويًا، لكن مع مرور الوقت تبين أن سلوكهم لم يكن متسقًا مع ما بدا في البداية.
وفي المقابل، قابلت آخرين بدأوا متحفظين أو صارمين، فتسرعت في الحكم عليهم سلبًا، لكن الأيام كشفت أنهم من أكثر الأشخاص إخلاصًا وصدقًا. هذه التجارب علمتني أن الإنسان لا يمكن اختزاله في لحظة واحدة أو انطباع أول، وأن الحقيقة تظهر مع مرور الوقت والمواقف المختلفة.
وهذا ما قد وضحه عالم الذكاء العاطفي دانييل غولمان، عندما أشار إلى أن «النضج الاجتماعي والذكاء العاطفي يمكّنان الإنسان من التعاطف وفهم مشاعر الآخرين قبل الحكم عليهم، والتحكم في ردود أفعاله تجاه الانطباع الأول». فالقدرة على الانتباه لما وراء الانطباع الأول، وملاحظة السلوكيات على المدى الطويل، هي ما يسمح لنا ببناء علاقات اجتماعية مستقرة وصادقة، ويقلل من مخاطر سوء الفهم أو فقدان علاقات قيّمة.
وينطبق هذا أيضًا على العلاقات الاجتماعية بشكل عام، سواء في بيئة العمل أو في الحياة اليومية. فالانطباع الأول غالبًا ما يُعطى وزنًا أكبر من اللازم، مما يجعلنا نحكم على الأشخاص قبل أن نكتشف قيمتهم الحقيقية. فبعض الأشخاص، بسبب هذا الحكم السريع، قد يفقدون فرصة بناء صداقات أو علاقات مهنية مهمة، بينما يتعرض آخرون لسوء فهم يضر بصورتهم وحياتهم الاجتماعية.
ويمكن ملاحظة ذلك في مواقف بسيطة، مثل اجتماعات العمل أو الأحداث الاجتماعية، حيث يكون الانطباع الأول هو المعيار الظاهر لتقييم الآخرين، بينما تختلف الحقيقة تمامًا. فالتأني في تقييم الآخرين ليس علامة ضعف، بل دليل على وعي ونضج إنساني، يسمح لنا ببناء علاقات أكثر استقرارًا وصدقًا، ويجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع الاختلافات والتحديات التي تظهر مع مرور الوقت.
أختم المقال بأسئلة أضعها بين يديك، عزيزي القارئ، مطالبًا إياك بوضع تصورك وإجابتك عنها:
كم من الأشخاص الجيدين خسرتهم بسبب حكمك المبدئي السريع عليهم؟
وكم من العلاقات التي كان بالإمكان بناؤها ضاعت لأنها بدأت بانطباع أولي خاطئ؟
هذه التساؤلات تذكرنا بأهمية التأني والنضج في بناء علاقاتنا الاجتماعية، وتحثنا على إعطاء الآخرين الوقت الكافي لإظهار حقيقتهم قبل إصدار أي حكم، مع ممارسة التعاطف والوعي الذاتي، وهما مفتاحا النجاح في أي علاقة إنسانية .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020