||

الاحتفال والتعليم… العربية كما ينبغي أن تكون

17 ديسمبر، 2025

سندس حسين

في اليوم العالمي للغة العربية، نقف احترامًا وتبجيلًا لهذه اللغة التي منحت معنى للحرف وصدى للصوت.

كبرنا ونحن نُربّى على حبها والفخر بها، قبل أن تتحول – دون أن نشعر – حصص اللغة العربية إلى مصدر قلق وربما خوف، لا بسبب اللغة نفسها، بل بسبب الطريقة التي قُدِّمت بها إلينا. وهكذا بدأنا نشعر بالتكلف في حبها، ونحمّلها مسؤولية صعوبتها.

وعندما أصبحتُ طالبة متخصصة في قسم اللغة العربية، ظلّ سؤال واحد يلاحقني: لماذا تبدو العربية صعبة؟

نعم، هي في جوهرها لغة عميقة مختلفة وبليغة، وكنت أحاول دائمًا أن أجد نورًا صغيرًا يقودني إلى فهمها، لكن جميع محاولاتي كانت تنتهي عند نقطة واحدة: اللغة التي نحبها ونفخر بها ليست هي اللغة التي ندرسها.

وحين أصبحتُ معلمة، لم أعد أبحث فقط عن زرع حب العربية في قلوب الطلبة، بل سعيت بالقدر نفسه إلى زرع الثقة فيهم، ليكتشفوا أن العربية ليست مخيفة، وأن صعوبتها ليست حتمية، بل صناعة تعليمية يمكن تفكيكها.

فالتعليم القائم على الخوف من الخطأ، مهما حقق من نتائج ظاهرية، يظل تعليمًا قاصرًا، وهذا ما نمارسه ونتوارثه أحيانًا في تدريس اللغة العربية.

أحكام مسبقة، ومعلمون يقيسون تجاربهم اللغوية على طلابهم، وعبارات تتكرر مثل: لغتك وتخطئ فيها، وكأن الخطأ خيانة لا مرحلة تعلّم.

أذكر بوضوح كيف كان يُشار إلى من يخطئ في الإعراب وكأنه مرتد عن لغته، بدل أن يُؤخذ بيده، ويُشرح له موضع الخطأ، ويُطمأن بأن اللغة تُكتسب بالمحاولة لا بالخوف.

إنّ مرحلة تأسيس الطالب العربي في لغته أصبحت – في كثير من الأحيان – مفاضلةً قائمة على السرعة، لا على عمق الفهم.

فهذا طالب يقرأ كالببغاء دون أن يعي ما يقول، وذاك يحفظ عبارات مثل: «فاعلٌ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره» ويرددها بثقة بلا فهم حقيقي لمعناها أو وظيفتها.

وهنا تتحول اللغة من أداة تفكير وتعبير إلى مجموعة من الجمل المحفوظة تُكتب على ورقة الاختبار وتُنسى بعده.

بينما الحقيقة أننا نتعلم لغتنا لنحيا بها، لا نكتبها كإجابة فقط، بل نعيشها ونتحدث بها ونمارس حياتنا اليومية وهي تنبض في ألسنتنا وأحاديثنا.

وأرى أن اللغة تمامًا كالرياضيات، لها قواعد، لكنها لا تُجدي إن لم تُفهم، ولا تُثمر إن لم تُمارَس، ولا تُحَبّ إن قُدِّمت بوصفها اختبارًا لا مساحة فيه للخطأ.

حب اللغة العربية لا يُقاس بكثرة القواعد، ولا بسرعة الحفظ والترديد، بل بالثقة والفهم والممارسة.

حين نسمح للطالب أن يخطئ ويتعلم، ونجعل من العربية جسرًا للتعبير لا اختبارًا للنجاح، سنكتشف أن لغتنا حية، تُحب، تُفهم، تُتقن، وأننا رغم كل الصعوبات سنظل نحيا بها.

رد واحد على “الاحتفال والتعليم… العربية كما ينبغي أن تكون”

  1. يقول مودة:

    كلامك أثر فيني جداً لأني كشخص من صغري اعشق اللغة العربية لكن بسبب المعلمات صارت بنسبه لي مهمة صعبة ليت يرجع الزمن وتصيري معلمتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...