||
عبدالرحيم نافع الصبحي
@alyanboo3
لو تعرفين، حبيبتي، كم أحبك، لنذرتُ قلبك للذي أعطاك عمره. فكلما تحدثتُ إليك شعرتُ أنني أمام حبيبة لا تُقاس بالأعمار، بل تُقاس بالهيبة التي تسكن صوتها، وبالضوء الذي ينساب عند حضورها. فأنتِ حبيبة إذا مررتِ ارتقى معك السموُّ كله.
يقول الدكتور عبد الرحمن العشماوي، متحدثًا باسمك، قائلًا:
أنا التي نشأتُ في القِمَمِ
أنا الشموخُ والإباءُ والشَّمَمُ
أنا التي بروعتي يبتهج القلمُ
أنا التي ينطلق اللسانُ بي، ويفرح النغمُ
ولا عجب أن تكوني كذلك، وقد اختاركِ الله لغةً لكتابه، فأوجب لك الخلود بفضله. فأنتِ لستِ لغةً لقبيلةٍ من القبائل، ولكنك لغةُ رسالةٍ عظيمة، لغةٌ تُقرأ في كل مكان، وتُحفَظ في الصدور قبل السطور.
ومن يُقلِّب صفحات تاريخك يتأكد أنكِ، حبيبتي، لستِ مجرد صفحاتٍ تُقرأ، بل أنتِ تاريخُ رحلةٍ طويلة تمتد من خيام الصحراء إلى مكتبات العالم، ومن أفواه الشعراء إلى مختبرات اللسانيات الحديثة. تاريخٌ ينهض كلما نُطق حرفٌ باسمك، ويستيقظ كلما كُتبت كلمةٌ من صوتك.
فأنتِ لستِ تاريخَ لغةٍ فحسب، بل تاريخَ أمةٍ كاملة نشأت في بيئةٍ جعلت للكلمة وزنًا، وللبلاغة قيمةً، وللشعر مكانةً لا ينافسها شيء. فقد كانت القبائل العربية تحفظ تاريخها بالشعر، وتوثِّق أمجادها بالكلمة، وتتناقل حكمتها عبر الأمثال والخطب.
وفي هذا يقول الأستاذ أحمد الحازمي:
الشعرُ مزنٌ قد تكاثف غيمُهُ
إن جادَ من عذبِ المعاني يُمطِرُ
الشعرُ سيلٌ من شعورٍ دافقٍ
من لم يذُقْه فذاك من لا يشعرُ
الشعرُ ديوانُ العروبةِ وفخرُها
سيفٌ يذودُ عن المكارمِ يُشهَرُ
ومن تلك البيئة القاسية خرجت، حبيبتي، لغةٌ قويةٌ، مرنةٌ، واسعةُ المفردات، قادرةٌ على التعبير عن أدقِّ المشاعر. فمثلًا:
الحُزن بضم الحاء هو الهمُّ في القلب، والحَزَن بفتح الحاء هو الخوف، والحَزَن بفتح الحاء وتسكين الزاي هو المكان المرتفع.
والفرق بين التحسُّس والتجسُّس: فالتحسُّس تتبُّع أخبار الناس بالخير، والتجسُّس تتبُّع أخبارهم بالشر.
ومن جمال دقة معانيك يُقال: الأعمى لمن فقد البصر والبصيرة، ويُقال الكفيف لمن فقد البصر فقط، ويُقال الضرير إذا كان العمى بعد الإبصار، ويُقال الأكمه لمن وُلد أعمى.
ومن الإعجاز أننا عندما نترجم كلمةً واحدةً في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (هود: 28)، نحتاج إلى سبع كلمات باللغة الإنجليزية:
Shall we compel you to accept it.
لا شكَّ عندنا أنكِ لغةُ إمتاعٍ لا ينتهي، وجمالٌ يعلوه جمال. وصدق الشاعر عادل الحصيني حين قال:
لغتي وأفخرُ إذ بُليتُ بحبها
فهي الجمالُ وفصلُها التبيانُ
عربيةٌ لا شكَّ أن بيانَها
متبسِّمٌ في ثغره القرآنُ
نعم، لنا الفخر بك، وبهذا العمق التاريخي الذي جعلكِ لغةً تستطيع أن تبقي حيّة دون أن تتنازلي عن أصلك، وتتجددي دون أن ينقطع جذرك. لغةٌ تعرف من أين جاءت، وإلى أين تمضي.
وفي مناسبة ذكرى اعتمادك في الثامن عشر من ديسمبر يومًا للاحتفاء بك لغةً رسميةً في منظمة اليونسكو، لنا كل الفخر بك وبسموك الفتّان. تهانينا لك، حبيبتي يا لغة الضاد، يا من جمعتِ بين العمق التاريخي والمتعة التي لا تنتهي. فكم من شاعرٍ هام في بحورك، وكم من أديبٍ تذوّق حلاوة بيانك.
أنتِ لستِ مجرد وسيلة تواصل، بل أنتِ وطنٌ يسكن القلوب، وجسرٌ يربط الأجيال المتعاقبة. وفي يومك نجدد العهد على صونك وحمايتك، لتبقين منارةً للجمال، وسفيرةً للعرب إلى العالم أجمع، كما وصفك أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
إن الذي ملأ اللغاتِ محاسنًا
جعل الجمالَ وسرَّه في الضادِ
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020