||
مكة المكرمة- ماجد السريحي
@majedstopuqu
توقّف مشوار المنتخب السعودي عند نصف نهائي بطولة كأس العرب، بعد مواجهة تنافسية أمام المنتخب الأردني الشقيق، مباراة عكست تطور كرة القدم العربية، وفتحت في الوقت ذاته باب الأسئلة الفنية حول ما تحقق وما يجب البناء عليه. ورغم الخروج قبل النهائي، لم تكن المشاركة مجرد محطة عابرة، بل اختبارًا واقعيًا لقدرة “الأخضر” على المنافسة، ومرآة صادقة لمسار يحتاج إلى قراءة أعمق من النتيجة.
مكاسب نصف النهائي… وما وراءها
أظهر المنتخب السعودي خلال البطولة شخصية تنافسية وانضباطًا تكتيكيًا واضحًا، مكّنته من بلوغ المربع الذهبي، في مؤشر إيجابي على صلابة الفريق في البطولات الإقصائية. غير أن التفاصيل الصغيرة، وتحديدًا في الشق الهجومي وحسم الفرص، ظلت العائق الأبرز أمام الذهاب أبعد، وهي تفاصيل كثيرًا ما تفصل بين المنافسة والتتويج.
الأرقام لا تجامل
على مستوى التصنيف، يتراوح ترتيب المنتخب السعودي بين المركزين 55 و65 عالميًا في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وهو موقع يعكس حالة من الاستقرار دون قفزة نوعية. ويبلغ متوسط التسجيل في المشاركات الرسمية الأخيرة قرابة 1.2 هدف في المباراة، فيما تقل نسبة الفوز في البطولات القارية عن 35%، ما يؤكد أن التحدي لا يكمن في الوصول، بل في ترجمة الأداء إلى نتائج حاسمة.
الاستمرارية… الحلقة الأضعف
تُجمع المؤشرات الفنية على أن غياب الاستقرار يُعد أحد أبرز التحديات، إذ لم يحافظ المنتخب على جهاز فني واحد لأكثر من 18 إلى 24 شهرًا خلال العقد الأخير. هذا التذبذب أثّر على وضوح الهوية داخل الملعب، وجعل الأداء مرتبطًا باللحظة أكثر من كونه امتدادًا لمشروع متكامل.
ويُضاف إلى ذلك ملف دقائق اللعب للاعب المحلي، حيث لا يتجاوز متوسط مشاركة بعض العناصر الأساسية 65% من زمن المباريات في المنافسات المحلية، ما ينعكس مباشرة على الجاهزية الذهنية في البطولات الكبرى.
جودة الدقائق قبل عددها
تؤكد تجارب المنتخبات المتقدمة أن الفارق الحقيقي لا يصنعه عدد الدقائق، بل جودتها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دراسة إطلاق بطولة تنافسية يكون محورها اللاعب السعودي، تمنحه دقائق لعب عالية الجودة وتحت ضغط حقيقي، بما يردم الفجوة بين المنافسة المحلية ومتطلبات اللعب الدولي.
وفي السياق ذاته، تفرض المرحلة مراجعة معايير الاختيار، والانتقال التدريجي من الاعتماد على الأسماء الجماهيرية إلى استدعاء العناصر الأكثر جاهزية وتأثيرًا داخل الملعب، حتى وإن واجه هذا التوجه مقاومة آنية.
رينارد… استقرار يحتاج أدوات
فنيًا، يُعد المدرب الفرنسي هيرفي رينارد اسمًا موثوقًا في تدريب المنتخبات، بخبرة واسعة في إدارة البطولات القصيرة وبناء الانضباط التكتيكي. وخلال فترته، حافظ المنتخب على متوسط استقبال أهداف يقل عن 1.1 هدف في المباراة، مع نسبة مباريات بشباك نظيفة تقارب 35%، ما أسهم في حماية الفريق من التراجع الحاد.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب دعم هذا الاستقرار عبر تعزيز الجهاز الفني بمساعد مدرب سعودي مميز واحترافي، يكون قريبًا من عقلية اللاعب المحلي، ويعمل كعين ناقدة داخل الطاقم، تراجع التفاصيل وتثري القرار الفني.
دروس من تجارب ناجحة
عند النظر إلى تجارب منتخبات مثل اليابان، والمغرب، وكرواتيا، يتضح أن النجاح لم يكن وليد الصدفة:
• اليابان بنت مشروعًا طويل المدى بهوية ثابتة، فاستقرت ضمن Top 20 عالميًا.
• المغرب اتخذ قرارات جريئة قائمة على الجاهزية، فبلغ نصف نهائي كأس العالم 2022.
• كرواتيا حوّلت الاستمرارية إلى إنجازات رغم محدودية الموارد، فحضرت ضمن Top 10 عالميًا.
القاسم المشترك بينها جميعًا كان وضوح المشروع، لا وفرة الإمكانات.
نحو مونديال 2026
يمثل كأس العالم 2026 فرصة حقيقية لتقديم نسخة أكثر نضجًا من “الأخضر”، خاصة مع التوسع التاريخي للبطولة. وبحكم التصنيف الحالي، يُتوقع أن يواجه المنتخب خصومًا من مستويات متفاوتة، ما يجعل إدارة التفاصيل، خصوصًا المباراة الأولى، عاملًا حاسمًا في رسم المسار. وتبقى التطلعات قائمة على تقديم مشاركة متوازنة قادرة على المنافسة في دور المجموعات، مع اعتبار العبور إلى الأدوار الإقصائية هدفًا مشروعًا إذا ما اكتملت عناصر الإعداد.
المستقبل واعد
يمتلك المنتخب السعودي قاعدة بشرية وبنية تحتية تؤهله للمنافسة، غير أن العودة الحقيقية تبدأ من وضوح الرؤية، واستقرار النهج، وجرأة القرار، وتحويل التراكم إلى نتائج…
تمهيدًا لعودة الصقور الخضر إلى منصات التتويج بعد سنوات من الغياب، وفق عمل تراكمي يحوّل الاستقرار إلى بطولات .

جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020