||
عفاف عبدالرحيم الزهراني
تُعدّ المؤسسات الوقفية نموذجاً تنموياً راسخاً يجسّد وعي الأجيال السابقة في تحويل العمل الخيري إلى مورد مستدام لا ينضب. ومع تصاعد الاحتياجات المجتمعية وتزايد التعقيدات الاقتصادية والمالية، برز أمام إدارات الأوقاف تحدٍّ محوري يتمثل في تحقيق التوازن بين تعظيم الأثر الاجتماعي الآني وضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل.
ويكمن جوهر هذا التحدي في طبيعة المنح الوقفية ذاتها، فهي ليست موارد استهلاكية تُنفق وتنتهي، بل أصول إنتاجية يتوجب الحفاظ على قيمتها وتنميتها، مع ضمان تدفق عوائدها بشكل مستمر إلى الفئات المستفيدة. فالوقف الناجح هو الذي يجمع بين إنفاق مدروس يحقق أثراً مجتمعياً ملموساً، وادخار رشيد يضمن ديمومة هذا الأثر عبر الأجيال.
وتتطلب هذه المعادلة إدارة مالية واعية تميّز الوقف عن المؤسسات الخيرية التقليدية؛ إذ لا يقتصر دور الوقف على صرف التبرعات الموسمية، بل يعمل ككيان استثماري يقوم بتوزيع جزء من عوائده، مع إعادة استثمار الجزء الآخر للحفاظ على رأس المال ومواجهة تحديات التضخم والنمو السكاني.
وفي المقابل، لا تعني الاستدامة المالية أن يتحول الوقف إلى مؤسسة استثمارية بحتة تنشغل بالعوائد على حساب رسالتها الإنسانية. فالأوقاف تحمل بُعداً اجتماعياً وقيمياً يفرض ضرورة ترجمة نتائجها إلى تأثير حقيقي في حياة المستفيدين. ومن هنا تبرز أهمية تطوير أدوات قياس الأثر التي لا تكتفي بالمؤشرات الرقمية، بل تقيس التحولات الإيجابية الفعلية وقدرة المنح على تمكين الأفراد وتعزيز اعتمادهم على الذات.
ويُعد الابتكار في آليات تقديم المنح أحد أبرز الحلول لتحقيق هذا التوازن؛ فبدلاً من المنح النقدية قصيرة الأجل، يمكن توجيه الموارد الوقفية إلى منح تعليمية مصحوبة ببرامج تدريبية، أو دعم الأبحاث التي تقدم حلولاً عملية للتحديات المجتمعية، أو تمويل المبادرات الريادية التي تخلق مصادر دخل مستدامة للمستفيدين. وبهذا يتحول الوقف إلى أداة تنموية فاعلة، لا مجرد استجابة مؤقتة للاحتياج.
كما أصبحت الشفافية في الإدارة والإفصاح عن الأداء المالي والاجتماعي ضرورة حتمية لتعزيز الثقة بين الواقفين والمجتمع، حيث تقوم هذه الثقة على وضوح الرؤية، وكفاءة التنفيذ، والقدرة على إثبات تحقيق التوازن بين العطاء في الحاضر والحفاظ على الموارد للمستقبل.
فالوقف الناجح هو ذلك الذي يستطيع بعد عقود طويلة أن يقول: لقد صُنّا رأس المال ونمّيناه، وأسهمنا في تحسين حياة آلاف المستفيدين، وشاركنا في بناء مجتمع أكثر استدامة، وما زلنا نمتلك القدرة على الاستمرار والعطاء. وهذا هو التحدي الحقيقي لإدارة المنح الوقفية اليوم: أن نكون أوفياء لإرث الماضي، مؤثرين في الحاضر، ومخططين لمستقبل دائم .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020