||
سندس حسين
بعد قراءة كتاب من جيد إلى عظيم، انكشفت لي حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها في بيئات العمل: أن عظمة المؤسسة لا تُقاس بحجم الجهد المبذول فيها، بل بقدرتها على الاستمرار لسنوات دون خلل في هيكلها عند فقدان أحد أفرادها، ودون استنزاف من يعملون داخلها. فالمؤسسة التي تقوم على إنهاك موظفيها، هي في جوهرها مؤسسة تتجه نحو الفشل، حتى وإن بدت ناجحة في ظاهرها.
عند النظر إلى الغلاف الخارجي لبعض المؤسسات، نرى وجوهًا مبتسمة، وأجسادًا نشيطة كأنها آلات لا تتوقف. مؤسسات قد تعج بالموظفين، أو تعاني من نقص حاد فيهم، ومع ذلك يُطلب من الموجودين تحمّل أعباء لا تدخل ضمن أدوارهم الوظيفية، وتُفرض عليهم تنازلات باسم “التعاون”، أو “حب العمل”، أو ذلك الشكل المضلل من “الانتماء الميت”.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
ما الطريق الذي تسلكه هذه المؤسسة؟
هل هو طريق الصحة أم الهشاشة؟
المؤسسة التي لا تدور عجلاتها إلا بوجود أشخاص يركضون فوق طاقتهم، هي مؤسسة لم تبنِى نظامًا، بل تبنت اعتمادًا خطيرًا على ضمائر موظفيها. والاعتماد على الأفراد بدل الأنظمة ليس نجاحًا، بل فشلًا مُقنَّعًا بإنجاز مؤقت.
ويبقى التساؤل الأهم:
من المسؤول عمّا يدور داخل هذه البيئة؟
هل هو الأفراد أم من وضعهم في هذا المأزق؟
أأبطال يقفون خلف كراسٍ؟ أم كراسٍ بلا أبطال؟
تُطمس الأدوار، وتظهر الفجوة الإدارية بوضوح. يُصنع أبطال مزيفون، يطربهم المديح الفردي، ويقيسون القيمة بمكان الجلوس لا بحجم الأثر. من لا يجلس على “طاولة الزيف” يُقصى، وتُحمَّل المسؤولية للجميع ما عدا صناع القرار، ليصبح الموظفون أدوات تُحرَّك حسب الرغبة لا عناصر فاعلة في الحل.
يشير الكاتب إلى أن المؤسسات العظيمة لا تقوم على الأبطال – حتى وإن كانوا حقيقيين – بل على وضوح الرؤية بين الجميع، وعدالة توزيع الأدوار، وانضباط القرارات على كافة المستويات. حيث تصبح ثقافة العمل أداءً طبيعيًا كافيًا لتحقيق النتائج المرجوة، لا بطولة مؤقتة تُستنزف ثم تُستبدل. فالموظف المجتهد ليس حلًا استراتيجيًا، بل طاقة يجب أن تُدار لا أن تُستهلك.
المفارقة المضحكة أن بعض الإدارات تفسّر هذا الاجتهاد كدليل نجاح، فتُضاعف الأعباء على الموظفين، بينما تظل المؤسسة صغيرة في تفكيرها، جامدة في هيكلها، محدودة في رؤيتها. وحين ينهار الأفراد واحدًا تلو الآخر، يُطرح سؤال متأخر:
لماذا نفقد الأشخاص الجيدين؟
والإجابة واضحة:
المشكلة لم تكن في الأشخاص ولا في كفاءاتهم، بل في بيئة جعلت العطاء المفرط شرطًا للأداء، والضغط المستمر بوابةً للإنجاز.
فالمؤسسات التي تتجه نحو العظمة تكبر بأنظمتها وقراراتها، لا باستنزاف موظفيها. وتدرك أن النمو الحقيقي لا يحتاج إلى تضحيات دائمة، بل إلى إدارة واعية تصنع الاستدامة قبل أن تركض خلف الإنجاز.
ولعلّ كثيرًا من الموظفين يدركون اليوم أن هذه البيئات ليست إلا محطات عبور في مسيرتهم المهنية. فمع الوقت يصبح الموظف أقدر على التمييز بين مؤسسة تصبر لتصبح عظيمة هي وموظفوها، ومؤسسة تظل صغيرة، مهما تزاحم خلفها أبطال مزيفون.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020