||
مها العتيبي
@mahaalotabi_no1
يمكن للجسد أن يجلس بيننا، عيناه مفتوحتان، وأنفاسه تخرج وتدخل بانتظام، لكنه غائب. كأن روحَه تركتْ له القشرةَ ومضتْ تبحث عن مكانٍ أقلّ ضجيجاً. يرفع الكأسَ إلى شفتيه، يبتسم ابتسامةً لا تصل إلى حدقتيه، يردّ على السؤال بكلماتٍ مُعدّة سلفاً، كأنّه دميةٌ تُدار بخيوطٍ من عادة.
وفي المقابل، قد يغيب الإنسانُ جسدياً، فيغادر الغرفةَ، أو المدينةَ، أو الحياةَ كلَّها، ثم يبقى حضورُه أقوى من أيّ صوتٍ في المكان. تظلّ رائحةُ عطره معلّقةً في الهواء، وكلمةٌ قالها ذات مساءٍ تتردّد في أذنك كلما مررتَ من زاويةٍ كان يحبّ الوقوفَ عندها. يصبح غيابُه صوتاً، وصمته كلاماً، وفراغُ كرسيه أثقلَ من أيّ وزن.
هناك من يعيشون بيننا كأمواتٍ تأخروا في دفنهم، يمشون ويأكلون وينامون، لكنّ شيئاً بداخلهم انكسر منذ زمنٍ ولم يعد يُصلَح. وهناك من ماتوا، فصاروا أحياءً فينا أكثر من الأحياء أنفسهم؛ نستعين بضحكتهم حين نُحاصر بالهمّ، ونستند إلى صوتهم حين تضيق الدنيا.
ليس كلّ من يُرى موجوداً، وليس كلّ من اختفى غائباً.
الحضورُ ليس مكاناً تشغله الأجساد، بل نبضاً تشعر به القلوب. قد تمتلئ الغرفةُ بالبشر فتبقى خالية، وقد تفرغ الغرفةُ من البشر فتمتلئ بإنسانٍ واحدٍ ترك فيها عمره كلَّه قبل أن يرحل .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020