||
محمد بني فارس
لواء أمن عام متقاعد – الأردن
@suleimanjojo
يا صديقي… إن للقلم سرًّا لا يدركه إلا من جرّب أن يضع قلبه على الورق. فهو ليس خشبًا يُبرى، ولا حبرًا يجفّ، بل رفيقٌ يعرفك حين تخونك اللغة، ويهدهد روحك حين تتكدّس الأسئلة في داخلك كأحجارٍ لا تُحمَل. يشبه مرآةً صامتة تعيد إليك ملامحك التي ضلّت في زحام الأيام، وتذكّرك بأنك ما زلت قادرًا على أن تقول ما لا تستطيع الحياة أن تُنصِت له.
وفي مناجاته، تكتشف أن الكتابة ليست فعلًا، بل نجاة. ليست وصفًا لما يحدث، بل محاولة لفهم ما لا يحدث… ما يتردّد في الصدر ولا يجد طريقه إلى الشفاه. كأن كل حرف يُكتب هو باب صغير إلى ذات أكبر، وكل جملة تُصاغ هي خطوة نحو مساحة أوسع من الوعي والسكينة. القلم لا يكتبك فقط؛ إنه يعلّمك كيف تقرأ نفسك من جديد.
وحين تخلو إليه، تجد أن العالم كله يمكن اختزاله في سطر واحد، وأن الضوضاء التي أربكتك يمكن أن تتلاشى بلمسة حبر. في المناجاة معه، تتحوّل الفوضى إلى معنى، والوجع إلى حكمة، والوحدة إلى رفقة لا تُخان. فالقلم، مهما طال الصمت، ينتظر… ومهما طال الغياب، يغفر… ومهما اشتد التيه، يدلّك إلى الطريق الذي يبدأ منك وإليك.
وفي حضرته، تدرك أن بينك وبينه علاقة لا تشبه أي شيء آخر؛ علاقة تُعرّيك من الداخل دون أن تجرحك، تعيد ترتيبك دون أن تطلب الإذن، وتضع يدها على نبضك لتقول لك: “اكتب… فلا أحد يسمع ارتجافك كما أفعل.” هكذا يصبح القلم قلبًا خارج جسدك، ينزف عنك، ويُحنّن قسوة الأيام عليك، ويربت على كتفك كلما شعرت أنك وحيد في زحام لا يفهم روحك.
وفي النهاية، تكتشف أن الكتابة ليست ملاذًا فحسب، بل طريقة لتهدئة الضجيج في أعماقك، ولجمع شتاتك فوق سطر واحد. وأن القلم — مهما طال الصمت — يعود ليذكّرك بأنك لست وحدك… ما دمت قادرًا على أن تكتب نفسك من جديد
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020
الكتابة يا صديقي عند ما يعشقه فكر و روح مثلك تجعل منها بلسم لكثير من كوادر الزمان المحزنة متنفساً و للسعادة عزف يغرد بهم في مرابع السعادة كما يرونها
تحياتي.