||

التشافي رحلة نحو الداخل

14 يوليو، 2025

الكاتبة -فاطمة الشهري

في خضم انشغال الإنسان المعاصر بمواجهة أمراض الجسد، تم تهميش معاناة أخرى، أكثر هدوءًا، لكنها أشد فتكًا: الأمراض الروحية. تلك التي لا تُشخّص في عيادة، ولا تُقاس بتحاليل، لكنها تنهش الداخل وتُطفئ النور في العين وتثقل الخطى، حتى في أقصر المسافات.

ليست الأمراض الروحية خرافة، ولا ترفًا فلسفيًا؛ بل هي واقع يُترجم إلى اكتئاب مقنّع، قلق بلا مبرر، عزلة مفاجئة، نفور من الحياة، أو شعور دائم باللاجدوى. وقد يلبس صاحبها ثوب النجاح والابتسامة، بينما تنهار روحه بصمت في العمق.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح التشافي الروحي ضرورة لا خيارًا، إذ إن تجاهل الألم لا يُلغي وجوده، بل يدفعه للتجذّر بصمت.

التشافي ليس رفاهية… بل استرداد إنساني

أولى خطوات التشافي تبدأ حين يملك الإنسان شجاعة الاعتراف: هناك خلل ما، هناك فراغ، هناك شعور لم يُفهم. هذه الشفافية مع الذات هي أصل كل إصلاح.

لكن ليست الشجاعة وحدها كافية. لا بد من إعادة وصل الروح بمنبعها: بالله اولاً . كثير من الأمراض الروحية لا تعالج إلا بترميم العلاقة مع الخالق؛ لا بالمبالغة الشعائرية، بل بالصدق، بالخشوع، بالرجوع إلى أصل السكينة.

من أكبر مظاهر العطب الروحي هو غياب المعنى. أن يعيش الإنسان مشغولًا بكل شيء، إلا بما يملأ روحه. أن ينجز، ويكسب، ويظهر، لكنه حين يخلع كل هذه الأدوار، لا يجد نفسه. لذا، فالتشافي يبدأ أيضًا بإعادة بناء المعنى الشخصي للحياة، حتى ولو في أبسط الصور: أن تكون سببًا في سعادة أحد، أن تنقذ نفسك من تكرار أخطاء الماضي، أن تعيش وفق ما تؤمن، لا وفق ما يُتوقَّع منك.

هل نحتاج الآخرين؟ نعم… لكن بحذر

التشافي ليس دائمًا مسارًا فرديًا. أحيانًا نحتاج إلى متخصص، إلى صديق صادق، إلى مرآة خارجية لم يغب عنا. المهم أن لا نتكئ على من يكسرنا أكثر، ولا نُطيل البقاء مع من يقلّل من وجعنا. لأن التخفيف عن النفس لا يكون بالقول: “تجاوز الأمر”، بل بالاحتواء، وبالاعتراف بأن ما نشعر به حقيقي.

الجسد ليس خارج اللعبة

التشافي الروحي لا يتم في جسد مهمل. العقل والجسد والروح يشكّلون مثلثًا متداخلاً، لا يمكن فصل أطرافه. الجوع، السهر، الكسل، الإدمان الرقمي… كلها تستهلك طاقة الروح وتزيد هشاشتها. لذلك، أي رحلة نحو التعافي يجب أن تمر أيضًا بالعناية بالجسد كأرضية للاستقرار النفسي

في الختام

إن الأمراض الروحية لا تعني أنك ضعيف، بل أنك إنسان. والتشافي منها لا يعني أن تصبح مثاليًا، بل أن تسترد توازنك، أن تتنفس من جديد، أن تعود لذاتك… دون أقنعة.

التشافي ليس نقطة نهاية، بل مسار من الترميم والتخفف… وكل خطوة فيه، حتى لو كانت صغيرة، هي فعل مقاومة في وجه الانطفاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...