||

حين يصبح الإنسان محور المدينة

14 يوليو، 2025

الكاتب – يزيد العوفي 

في مشهد حضري يتجاوز المألوف، تتجلى المدينة المنورة اليوم كأنموذج ملهم لمدينة تضع الإنسان في صلب المعادلة التنموية، عبر مشروع شامل يُعرف بـ”أنسنة المدينة”، وهو ليس مجرد تحسين للبنية التحتية أو تجميل للواجهة، بل رؤية متكاملة تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الروح والحجر.

هذا المفهوم، الذي ينسجم مع التحولات العمرانية المتسارعة، يُعد امتداداً لفكرة “أنسنة المدن” التي باتت تُطرح عالمياً كمحور رئيس لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية العمرانية واحتياجات الإنسان اليومية. إلا أن ما يُميّز التجربة المدينية هو خصوصيتها الروحية والتاريخية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع القداسة، ويصبح تحسين البيئة الحضرية مسؤولية ذات بعد ديني وثقافي وإنساني.

في هذا السياق، أولت القيادة الرشيدة -أيدها الله- اهتماماً بالغاً بهذا المشروع، في إطار طموحات رؤية المملكة 2030 التي وضعت جودة الحياة وكرامة الإنسان في مقدمة أولوياتها، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة للمدينة، دون المساس بخصوصيتها التاريخية.

أحد أبرز النماذج على نجاح هذه الرؤية يتجلى في مشروع تطوير “الحي النموذجي” بحمراء الأسد. ففي غضون 90 يوماً فقط، تحوّلت 37 وحدة سكنية عشوائية إلى كيان عمراني متناسق، يحمل طابعاً فنياً وإنسانياً متميز، دون الحاجة إلى إزالة أو تهجير، وهو ما يعكس الإمكانية الفعلية لإحداث تغيير نوعي يراعي الإنسان قبل المبنى.

كما شهد حي سيد الشهداء عملية تطوير شاملة شملت ترميم واجهات 621 منزلًا سكنياً، وتحسين البنية التحتية، وإنشاء 15 حديقة عامة بمساحة إجمالية بلغت 48 ألف متر مربع، ما أضفى طابعاً إنسانياً وجمالياً على الحي، وأسهم في توسيع رقعة الغطاء النباتي وتوفير متنفس طبيعي للسكان.

وفي خطوة رائدة لتعزيز السياحة الدينية والحركة التجارية، تم تطوير طريق قباء الذي يربط بين المسجد النبوي الشريف ومسجد قباء، على امتداد 2.8 كيلومتر. الطريق لم يعد مجرد معبر، بل أصبح ممراً حضرياً نابضاً بالحياة، حيث فُتحت الأرصفة للمشاة، وتحسنت واجهات المحال التجارية، وزُرعت الأشجار، لتتحول المنطقة إلى معلم حضاري جاذب.

إن أنسنة المدينة ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل هي ترجمة فعلية لفلسفة ترى في الإنسان محوراً لكل تطور، وفي المدينة أكثر من مجرد عمران؛ بل كيان حيّ، يحمل عبق الماضي ونبض الحاضر وطموح المستقبل.

“المدن لا تكتمل بجدرانها بل بأرواح ساكنيها”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...