||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الذاكرة ليست مستودعا جامدا يخزن فيه الماضي كما هو، بل هي حركة حيّة تتداخل فيها البنية العصبية بالتجربة الشعورية، وتنبثق منها معنى الذات.
حين يتذكر الإنسان، لا يستعيد صورة مطابقة لما وقع، بل يعيد بناء الحدث داخل أُطر من التفسير والتأويل، تتداخل فيها العاطفة، واللغة، والضمير. لذلك، لا يكون التذكر فعلًا معرفيًا محضًا، بل مسؤولية أخلاقية تربط الإنسان بماضيه، وتفرض عليه مواجهة ظله الممتد في الحاضر.
في أساسها، الذاكرة عملية عصبية معقدة تبدأ بتكوّن الانطباع، ثم تشفر داخل شبكات الدماغ، لا كوقائع ثابتة، بل كما شُعِر بها لحظة وقوعها. وعند استدعائها، لا تظهر كنسخة محفوظة، بل كمشهد يعاد تركيبه ويتلون بالحالة النفسية والظروف الراهنة.
بهذا، لا تقول الذاكرة ما حدث، بل ما صار يعنيه الحدث، فتتذكّر الذات وهي تعيد كتابة ماضيها بوعي أو بلا وعي.
النفس لا تقف حيادية تجاه ذاكرتها، بل تمارس الانتقاء، الكبت، التحريف أحيانًا.
أحيانًا تُقصي ما يهدّد تماسكها عبر نسيان لا واعٍ، وأحيانًا تغرق في استدعاء الذكرى حتى تثقل كاهلها. هنا تتحول الذاكرة إلى ساحة صراع بين الحاجة إلى الحماية والرغبة في الحقيقة. ليست النفس سيدا مطلقا على الذاكرة، ولا الذاكرة مستبدة بها، بل يتجاذبهما توتر متداخل يشكل نسيج الكائن الإنساني.
تفاوت الأفراد في التعامل مع ذاكرتهم نابع من هذا التوتر المعقد، ويتأثر بعوامل نفسية وبيئية وعصبية. فالفرد الذي نشأ في بيئة تسمح بالتعبير والتأمل، يمتلك قدرة أكبر على مواجهة ذاكرته مقارنة بمن تربى في ظلال الكبت والقمع.
كما أن التنظيم الدماغي والانضباط الانفعالي يلعبان دورا حاسما في مدى قدرة الإنسان على استدعاء ذكرياته المؤلمة من دون أن تطغى عليه.
التذكر إذا، لا يحدث تلقائيا، بل يتطلب قدرة دماغية على التنظيم، واستعدادًا وجدانيًا على التحمل، وشجاعة أخلاقية في مواجهة الذات والاعتراف بها. وهو فعل معقد من المعرفة والانفعال، لكنه أيضًا فعل اختيار مسؤول.
وما يقرر نسيانه عمدا لا يختفي، بل يعود متخفّياً في قلق النفس واضطرابها وفي الكلمات التي تنفلت دون وعي.
ولا تكتمل الذاكرة إلا إذا قيلت، فاللغة هي الفضاء الذي تمنح فيه الذكرى وجودها وتتشكل من جديد. اختيار الكلمات، نبرة الصوت، ترتيب الأحداث، كل ذلك يحمل معنى ونيّة.
حتى الصمت يصبح تعبيرا يحمل مسؤولية، لا يعفي من فعل الاعتراف.
وحين ترتبط الذكرى بظلم أو ألم أو ذنب، تصبح الذاكرة فعلا أخلاقيا من الدرجة الأولى. أن تتذكّر يعني أن تعترف، أن تمنح الماضي موقعه في الحاضر، ليس لتكرار ألمه، بل لمنع نسيانه.
لأن النسيان المقصود يتحول إلى إنكار، بل إلى خيانة للنفس وللآخر.
وما لا يقال لا يمحى، بل يظل مختبئا في زوايا النفس، في القلق، في اضطراب النوم، وفي الكلمات التي لا تقال.
ولا تقتصر الذاكرة على الفرد فقط، بل تتجاوز إلى الذاكرة الجماعية، حيث تتحول تجارب الشعوب والمجتمعات إلى سرديات مشتركة تمثل حاضرها وماضيها.
لكنها أيضا ساحة صراع بين الاعتراف والنسيان، بين من يرغب في المواجهة ومن يلوذ بالصمت.
وأخلاقيات الذاكرة الجماعية تقتضي شجاعة مشتركة بالاعتراف والاعتذار والعدالة، لتبقي ذاكرة الماضي حيّة لا لتكرار أهواله، بل لبناء مستقبل إنساني أكثر صدقًا وعدلاً.
الذاكرة إذا ليست مجرد أداة في يد الذات، بل هي أحد وجوهها، الكيفية التي يستمر بها الماضي داخل الحاضر، وما نحتفظ به ليس فقط ما نتحمّل تبعاته، بل ما نختاره أن نواجهه ونقر به.
بقدر ما يعي الإنسان ذاكرته، بقدر ما يكون مسؤولًا عن نفسه والآخرين.
ولا يمكن فصل التذكر عن الهوية، وكل محاولة للهروب من الذاكرة هي تقليص لإنسانيتنا.
أخلاقيات الذاكرة تلزمنا بالاعتراف الصادق، بمواجهة الألم، وتحمل المسؤولية.
التذكر ليس فقط فعل استعادة، بل فعل بناء وتحول، تعبير وتحميل للمعنى.
هو الطريق إلى الشفاء والعدالة، وإلى ذات أكثر صدقًا وإنسانية.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020