||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
ليس تشويه السمعة بلا دليل فعلاً عابرًا نابعًا من غريزة أو انفعال لحظي، بل هو، في جوهره، انعكاس لانهيار داخلي في البنية القيمية للذات، واضطراب في علاقتها بالآخر، وبالصدق، وبالحقيقة ذاتها.
فمن يشوّه الآخر لا ينطلق من معرفة أو شبهة يقين، بل من انكسار في وعي الذات بذاتها يدفعه إلى اختراع صورة مشوّهة للآخر، ليخفي خلفها كسراً داخلياً في صورته أمام نفسه.
هذا السلوك، حين يُقرأ في ضوء البنية المعرفية للفعل الإنساني، يكشف عن مفارقة مزدوجة: فمن جهة، يدّعي فاعله امتلاك حقيقة ما، ومن جهة أخرى، يُغلق باب التحقق منها، مكتفيًا بالتلميح أو الاتهام غير المؤسس، في استقالة كاملة من مسؤولية المعنى.
وهذا الانفصال بين الادعاء والبرهان لا يكشف فقط عن كسل معرفي، بل عن شرخ في علاقة الذات بالصدق، وكأن الحقيقة لم تعد شيئًا يُطلب، بل شيئًا يُصاغ وفق الهوى ويُفرض بقوة الرموز أو الإجماع المؤقت.
تشويه السمعة هنا يصبح وظيفة رمزية: إنه محاولة لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي بما يخدم الأنا المجروحة، التي لا تحتمل ظهور مثال نزيه أو نموذج مختلف، لأنه يذكرها بعجزها.
عند هذه اللحظة، لا يكون الآخر تهديدًا بفعلٍ محدد، بل بمجرد وجوده المختلف أو تفوقه الصامت، فيُستدعى خطاب التشويه لا ككراهية فحسب، بل كآلية دفاع ضد انهيار الذات أمام احتمال الاعتراف بنقصها.
والمجتمعات التي تستقبل هذا الخطاب وتعيد إنتاجه دون مقاومة معرفية، تعاني من أمية وجودية عميقة: أمية في التمييز بين الرأي والخبر، بين الوقائع والتأويلات، بين النقد والتشويه.
مثل هذه المجتمعات تصبح رهينة لما يسميه بول ريكور الذاكرة المسمومة حيث يختزل الآخر في حادثة مختلقة أو سردية مغرضة، ويُمنع من حق الرد، فيتحول من كائن حر إلى موضوع للنميمة، ومن شخص حيّ إلى أثر مشوَّه.
السؤال الجوهري إذا ليس: لماذا يشوه الناس بعضهم؟ بل: لماذا يجدون في ذلك عزاءً عن أزماتهم الخاصة؟ لماذا يغيب البرهان ويُستبدل بالتصفيق؟ لماذا يأخذ الاتهام، حتى حين يكون بلا سند، سلطة تفوق المعقول والقانون؟
لعل أصل المأزق يكمن في تشكل مأزوم للهوية، لا يجد استقراره في معرفة الذات، بل في أعين الآخرين، فيتحصّن بإنكار الآخر بدلًا من الحوار معه.
تشويه السمعة، حين يُجرَّد من أبعاده الأخلاقية ويُقرأ كظاهرة معرفية اجتماعية، يكشف عن فشلين مزدوجين: فشل الذات في مواجهة نقصها، وفشل الجماعة في حماية معيار الحقيقة.
ومقاومته لا تكون فقط بالدفاع عن من يُشوَّه، بل بإعادة تأسيس علاقة أكثر صدقًا ومسؤولية مع الحقيقة: علاقة لا تقوم على تصديق جماهيري عابر، بل على التزام وجودي يجعل من كل كلمة مسؤولية، ومن كل حكم ثمرة تحقق شاقّ لا رغبة عابرة.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020