||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
ليست الأخلاق، كما تصور في التقاليد السائدة، مجرد قواعد مفروضة أو أوامر تأديبية تنبع من خارج الذات. إنها، في جوهرها، ممارسة عقلية ووجودية، تتصل اتصالاً وثيقاً بفهم طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم.
فهي ليست سلطة خارجية تحدد ما يجب فعله، بل أفق داخلي من الفهم، يسعى إلى إدراك كيف يمكن للإنسان أن يعيش منسجماً مع نفسه، ومع قوانين الحياة.
الانطلاقة الحقيقية لفهم الأخلاق لا تتوقف عند حدود النصوص أو العقائد، بل تتطلب تأملاً عميقاً في طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم.
بهذا المعنى،يصبح السلوك الأخلاقي أكثر من مجرد طاعة ظاهرية؛ إنه انسجام واع مع النفس والواقع، نابع من فهم لا من خوف، ومن وعي لا من تلقين.
ليست الأخلاق تقييداً لحريتنا، بل طريقاً إليها.
الحرية الحقيقية لا تبنى على الانفصال عن الواقع أو على النفي القاطع للرغبة، بل تبنى على وعيٍ عميق بالذات، وبالعلل التي تحركها، وبالخيارات التي تمنحها نمواً واستقراراً.
ومن هذا المنظور، فإن الأخلاق ليست نقيضاً للرغبة، بل إعادة توجيه لها نحو ما يُعزز الكينونة ويُحقق القوة الداخلية.
ولأن الأخلاق تعني في جوهرها الفعل الحر المرتبط بالوعي، فهي لا تقبل أن تختزل إلى طقوس أو تقاليد مفصولة عن السياق الوجودي للإنسان.
بل هي سعي دائم لفهم: ما الذي يجعل حياتنا ذات معنى؟ ما الذي يجعل اختياراً ما خيراً، لا لأنه أمر مفروض، بل لأنه يعبر عن حقيقة عميقة داخلنا؟
هنا، يرتبط الخير لا بالمكافأة أو العقوبة، بل بالتوافق مع الواقع، مع قوانين النفس، ومع القيم التي تنبع من الفهم لا من الإكراه.
هذه الرؤية للأخلاق تقترب من العلم أكثر مما تقترب من القانون.
فكما يدرس العلم قوانين الطبيعة لفهم كيف تعمل الأشياء، تدرس الأخلاق قوانين النفس لفهم كيف يمكن للإنسان أن يعيش في اتساق مع ذاته والعالم. إنها ليست تعاليم جاهزة، بل عملية مستمرة من الاكتشاف الذاتي، ومن محاكمة القيم والأفكار على ضوء التجربة والواقع، لا على ضوء التلقين.
وحين تتحول الأخلاق إلى علم بهذا المعنى، فإنها تكتسب طابعاً تحويلياً: لا تعود تسعى إلى إصلاح السلوك من الخارج، بل إلى تحرير الإنسان من الداخل.
إلى أن يرى بوضوح، ويتصرف بحرية، لا بدافع الخوف أو العادة، بل بدافع الفهم.
الفهم الذي لا يعزل العقل عن القلب، بل يوحد بينهما في إدراك متكامل للذات والعالم.
وهكذا، تصبح الأخلاق أداة من أدوات النمو الداخلي، ومجالاً للارتقاء بالوعي، لا للتقيد بالتقاليد. إنها ليست مسألة عادات أو أحكام، بل مسألة وعي. وبهذا المعنى، فهي مشروع دائم، يبدأ من معرفة النفس، ويصل إلى بناء علاقة متزنة بالعالم، تُحقق للإنسان فضيلته وسعادته، لا لأن أحداً قال له ذلك، بل لأنه صار يعرف لماذا وكيف يعيش..
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020