||
صالحة الحربي .._* salha0987@
سأروي لكم مشهد يوم عرفة انه مشهد يوم عظيم مشهد تقشعر له الابدان، حتى لو رأيناه عبر التلفاز
في التاسع من ذي الحجة لعام 1446 للهجرة، وقف ملايين الحجاج على صعيد عرفات، يحملون قلوبًا أثقلها الشوق وخفّفها الرجاء. لم يكن المشهد مجرّد تظاهرة دينية موسمية، بل كان سيمفونية إنسانية إلهية عابرة للزمن، تُعزَف فيها “مزامير القلوب” على أوتار الدعاء والخشوع.
عرفات ليست أرضًا، بل لحظة ، ذلك السهل الأبيض لا يُقاس بالكيلومترات، بل بالدموع التي سُكبت فوقه، والدعوات التي ارتفعت منه إلى السماء كأعمدة نور.
في موسم حج 1446هـ، بدا عرفات كأنّه صفحة جديدة كُتب عليها التاريخ الإنساني بلغة الطهر والتجرد. من فوق التلال، لم يكن يُرى سوى بياض الأقمصة والإحرامات، وكأن الزمن ذاته قد خلع ألوانه ليرتدي لباس التوبة.
كاميرات البث المباشر حاولت أن تُلاحق المشهد، لكنها لم تستطع التقاط ما يحدث في الداخل: في داخل كل قلبٍ من تلك القلوب الراجفة.
*_ما لا تنقله الكاميرات_*
رجل يبكي بصمت، لا يعلم إن كانت دموعه طلبًا لمغفرة أم شكرًا على بلوغ الوقفة؛ امرأة ترفع يديها كأنها تفتح نوافذ عمرها على الرحمة؛ شاب يقرأ دعاءً بارتباك المبتدئ، وطفل يحاول تقليد الكبار، لكنه يجهل أن يوم عرفة، بحد ذاته، يُعلّم الصغار لغة الحياة من جديد.
في حج هذا العام، ورغم التطور التكنولوجي الهائل والتنظيم الذكي الذي احتضن ملايين القلوب في سلاسة، ظل جوهر عرفة كما هو: لحظة وقوف لا تُشبه أي وقوف. لحظة يعترف فيها الإنسان بضعفه الكامل أمام الله، ليجد في ذلك الضعف أعظم قوة.
المذهل في يوم عرفة أنه لا يميّز. لا جنسية تُذكر، ولا لقب يُنادى به، ولا مستوى اجتماعي يعترف به. الجميع سواء: ضيوفٌ في حضرة العدل والرحمة. يُفتح باب الغفران على مصراعيه، ويُقال: “ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة.”
وها هم قد عادوا إلى خيامهم بعد الغروب، وقد رُفع عنهم ما أثقل أعمارهم، كما تُنفض الصحف القديمة عن الغبار. خرجوا من عرفات وهم أنقى، وكأنهم خلقوا من جديد.
عرفة ليس يومًا فقط، بل ثقافة. إن تأملت فيه، أدركت أنه يدعو البشرية كلها لوقفة مراجعة، لصفاء نوايا، لتخفف من حمل الكراهية والغرور، وللبدء من جديد.
في حج 1446هـ، قدّم يوم عرفة للعالم مشهدًا لا يُنسى: مشهد اتفاقٍ روحي عالمي، لا ينظمه مجلس ولا تقوده شعارات، بل يقوده النداء الإلهي: “الحج عرفة.”
في الختام: عرفات بعدسة الروح، إن “مزامير القلوب” في يوم عرفة لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر على جبين الزمن. هي تلك الأصوات التي لا تُسمع إلا حين يسكت كل شيء. وهي تلك المشاهد التي لا تُرى إلا حين تُغمض العين عن الدنيا، وتُفتح على ما هو أسمى.
في حج هذا العام، ترك الحجاج خلفهم صورًا تُحكى، وقلوبًا تغيّرت، وسماءً امتلأت بالأمنيات… وتركوا لنا درسًا خالدًا: أن الوقفة الصادقة، ولو ليوم، قادرة أن تعيد ترتيب حياة كاملة.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020