||

يوم التروية.. ماءُ النيّة ومبتدأ السكينة

4 يونيو، 2025

ماجد عبدالله السريحي. . majedstopuqu@

في تقويم الروح، هناك أيام لا تُقاس بالساعات، بل تُوزن بالنوايا الصافية، وتُخلّد بمداد الخشوع.

ويوم التروية، الثامن من ذي الحجة، ليس مجرّد تاريخ في رزنامة الحجيج، بل بداية الحكاية، حين تُروى الأرواح قبل الأجساد، وتتهيأ القلوب لتلتحف بالنور في عرفات.

في الزمن القديم، كان الحجيج يحملون الماء من مكة إلى منى، استعدادًا ليوم عرفة، حيث لا ماء هناك. ومن هذه العادة اشتُق الاسم: يوم “التروية”.

لكن علماء القلوب قرأوا الاسم بعمقٍ آخر: هو يوم ارتواء الأرواح، وتروّي النوايا، ومقام التأهب الصامت قبل فيض اللقاء.

قال الإمام النووي: “سُمي بذلك لأن الناس كانوا يتروّون الماء استعدادًا لعرفة.”

وقال الشيخ ابن باز: “هو يوم تتجدد فيه النيّة، ويتهيأ الحاج للوقوف الأعظم، فيصلي الصلوات بمنى ويبيت فيها اقتداءً بالنبي ﷺ.”

وقد دوّن المؤرخ ابن كثير في “البداية والنهاية” أن النبي ﷺ خرج من مكة إلى منى في هذا اليوم، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم بات هناك. وفي هذا المسير، لم تكن الكلمات كثيرة، بل الأفعال تنطق، والقلوب تخفق بإيقاعٍ إلهي.

كتب الرحالة ابن جبير واصفًا المشهد: “كأن الأرض تتحرك بقلوبها نحو السماء، في سكونٍ مطمئن وسيرٍ مكلل بالخشوع.”

وفي منى، لا يُسأل المرء عن اسمه، ولا عن من أين أتى، فالكل في حضرة الرحمة سواء.

تتوشّح الأرواح ببياض النيّة، وتذوب الفروق كما يذوب الندى في أول الضوء.

هنا، يصمت كل ضجيجٍ سوى الذكر، وتتلاقى الأيدي لا لمصافحة عابرة، بل لنجوى خافتة تُهمس بها القلوب، وتفهمها السماء… قبل أن تنطق بها الشفاه.

في هذا اللقاء الإنساني الفريد، تتجلى رسالة التواصل الحضاري في أسمى صورها.

فلا شعار إلا “لبيك”، ولا اختلاف إلا في اللسان، أما الأرواح، فقد توحدت على درب الطاعة والسلام.

يوم التروية ليس طقسًا يُؤدّى، بل حالة روحية تُولد. هو ميلاد جديد للنية، وانخلاع هادئ من ثوب التكلّف إلى سكينة العبودية.

قال الشعراوي: “هو ريّ القلوب لا الأجساد.”

وقال الطنطاوي: “هو الهدوء الذي يسبق انفجار النور في عرفات.”

وفيه يبدأ الحاج رحلته لا على قدميه فقط، بل على جناح التجرّد.

من منى، ترتفع أول خيوط النور، وتُروى أول بذور الغفران، ومنها تُرفع راية الوحدة الإنسانية.

فالحج ليس فقط عبادة، بل بيانٌ سماويّ أن البشرية ما زالت قادرة أن تصلي معًا، وتبكي معًا، وتنهض معًا.

في التروية، يتجلى السلام لا بوثيقة، بل بخطى الحجيج الهادئة نحو الرحمة، ويتجلى التواصل الحضاري لا بمؤتمرات، بل بقلوبٍ تهتف لربٍ واحد.

أيها السائر إلى الله… تروَّ في خطاك، لا تُسرع نحو عرفات، فكل همسة في منى نفحة، وكل نظرة نحو السماء صلاة، وكل “لبيك” مفتاحٌ للعتق والغفران.

في يوم التروية، لا تحمل معك الماء فقط، بل احمل معك نيّة خالصة، وروحًا نقيّة، وسلامًا ينبض فيك للناس كافة.

فإن التروية ليست مسيرًا، بل بدء التحليق.

من جسدٍ يمشي إلى روحٍ تسبح نحو النور، ومن أمةٍ متفرقة إلى حضارةٍ موحّدة تنشد السكينة.

– ساحل الحرف –

من شواطئ الروح، تُبحر الكلمات نحو الله،

ومن ضفاف منى، تتمازج اللغة بالدعاء، والحرف بالدمعة، والنية بالسلام.

 

> ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

الحج: 27

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...