||
أشواق شتيوي
ASHWAG_SHETEWI @
في بعض الأسر لا تُبنى العلاقات الاجتماعية على أسس العدالة والمساواة والاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، بل على نموذج معقد من التماسك الزائف، حيث تقدم صورة الوحدة والتماسك فوق أي اعتبار للإنصاف الفردي.
في هذه البيئة، لا يُنظر إلى الظلم كخلل يجب إصلاحه، بل كاضطراب ينبغي إخفاؤه، إذ إن مجرد الاعتراف به يُهدد البنية النفسية والجماعية التي يقوم عليها التماسك الأسري.
فبدلاً من مواجهة الواقع المؤلم، تُزرع آليات دفاعية جماعية تهدف إلى تثبيت وهم الأمان للأسرة مهما كان الثمن على الأفراد.
هذه البنية النفسية والاجتماعية لا تتشكل بين ليلة وضحاها، بل ترسخت منذ الطفولة عبر نمط تربية يُعلِّم الطفل أن البقاء داخل الأسرة مرهون بكبت مشاعره، والتغاضي عن الظلم، والتنازل عن حقوقه مقابل الحفاظ على الحب والانتماء.
هنا يُعاد تعريف القيم الأخلاقية ليصبح الصمت فضيلة والمسامحة واجبًا لا مراء فيه، حتى وإن لم يعتذر الظالم.
قد يتعلم الطفل مثلاً أن التعبير عن غضبه أو حزنه يُفسر على أنه تمرد أو تهديد لوحدة الأسرة، بينما يُعتبر السكوت والتسليم طريقة للحفاظ على السلام. تتحول بهذه العملية المشاعر إلى عبء يهدد الاستقرار، فتتحول المطالبة بالحق إلى أنانية مرفوضة.
حين يطالب أحد أفراد الأسرة بحقوقه أو يرفض الانصياع، تُفعَّل آليات دفاعية جماعية لا واعية تحول صاحبه من مدافع عن حقه إلى مصدر تهديد للتماسك الأسري.
يُعرف هذا في علم النفس الاجتماعي بـ«الإكراه الأخلاقي»، حيث تُستخدم القيم الأخلاقية لتبرير إسكات المظلوم، وليس إنصافه.
لا ينبع هذا السلوك من شر صريح، بل من حاجة الجماعة إلى حماية نفسها من الانقسام والاضطراب، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة والعدالة. تتحول الأسرة إلى نظام مغلق يرفض المواجهة والاعتراف بالخطأ، ويمارس العقلنة الجماعية لتبرير الخطأ وإعادة توزيع الذنب بحيث تُبرَّأ الأدوار المسيطرة ويُدان من يطالب بالحق عبر سؤال محوري: «أين حقي؟».
في هذه الحالة، ينشأ الفرد على عدم الصدق مع مشاعره، ويُكافأ على كبتها، ويُعاقب على وضوحها، ليُطلب منه التضحية بذاته من أجل الوحدة التي لا تعترف بألمه إلا إذا صمت.
هكذا تتشكل علاقة عائلية مشوهة تقوم على الحب المزيف، والقبول المؤقت، والتقدير المرتبط بالامتثال، لا بالكرامة الحقيقية.
ما يحدث إذًا ليس ظلماً عابرًا، بل تعبيرًا عن بنية عائلية تخشى العدالة لأنها تفضح هشاشتها، وتقدس التماسك لأنه يمنحها وهم الاستقرار.
في مثل هذا المناخ تتحول الفضيلة إلى قناع يخفي ممارسات مؤذية، ويصبح العدل هدفًا مرفوضًا ومثيرًا للخوف، لا غاية يُسعى لتحقيقها.
إن كسر هذه الحلقة السامة لا يكون بالشعارات أو التمنيات، بل بإعادة بناء مفهوم الأسرة من الداخل، على أسس من الصدق والشجاعة والاحترام الحقيقي للفرد.
لا تماسك دون عدالة، ولا وحدة حقيقية في ظل الإنكار والصمت المفروض.
علينا أن نتجاوز أوهام السلام الزائف، ونواجه الحقيقة بما فيها من ألم، لأن الألم المُعترف به بداية شفاء، بينما الألم المكبوت يُعيد إنتاج الظلم بأقنعة جديدة.
إن الأسرة التي تخشى العدالة لن تعرف الاستقرار، بل ستظل رهينة تماسك هش يُهدد بالانهيار عند أول مطالبة بالحق. أما الأسرة التي تؤمن بأن الكرامة الإنسانية ليست امتيازًا بل حقًا، فهي القادرة وحدها على خلق روابط متينة، لأن ما يجمعها ليس الخوف من التفكك، بل الوعي بأن الحب الصادق لا يُمكن أن يتعارض مع العدالة.
في نهاية المطاف، الخيار ليس بين الوحدة أو التفكك، بل بين التماسك القائم على الوهم، أو الانتماء القائم على الحقيقة.
فمن أراد لأسرته البقاء، فليمنح أفرادها الحق في أن يكونوا كما هم، بكرامتهم الكاملة، لا كما يراد لهم أن يكونوا، بصمتهم المفروض.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020