||

التعدد بين الحق الشرعي والواقع الإنساني: قراءة نقدية

14 مايو، 2025

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI‬⁩

تظل مسألة تعدد الزوجات من أكثر القضايا جدلاً في المجتمعات الإسلامية والعربية، رغم وضوح حكمها الشرعي وإباحتها المنضبطة بنص قرآني صريح.

 فهي من جهة، وسيلة لتوثيق العلاقات وتنظيم الحقوق، ومن جهة أخرى، تصطدم بواقع نفسي واجتماعي معقد يجعلها في كثير من الأحيان غير مقبولة، حتى لدى من يؤمنون بمشروعيتها.

 

التعدد ليس مجرد خيار عابر، بل هو تشريع ينبع من مقاصد واضحة تراعي احتياجات المجتمع وتحدياته. فهو لا يقتصر على تحقيق رغبة فردية، بل يُعد وسيلة للإحسان إلى الأرامل ورعاية أبنائهن والمطلقات، ولمعالجة قضايا العقم أو المرض التي قد تقيد قدرة البعض على الإنجاب. 

كما أن التعدد يمثّل أحد الأدوات الاجتماعية التي قد تُسهم في الحفاظ على الحقوق وتنظيم العلاقات الإنسانية، مما يُحدّ من انتشار الظواهر السلبية مثل العلاقات غير الشرعية، أو ظاهرة الأم العزباء، وما ينجم عنها من أطفال خارج إطار الزواج، ممن يواجهون تبعات قانونية واجتماعية تترك أثرًا عميقًا على حياتهم.

 

لكن، ورغم ما يوفره التعدد من حلول ممكنة، إلا أن تعقيداته تنبع من أنه لا يمارس في فراغ تشريعي، بل في واقع إنساني معقد. 

فالزواج لم يعد مجرد عقد شرعي، بل علاقة عاطفية عميقة تطلب الاستقرار والشعور بالأمان والانفراد بالمكانة. 

والزوجة الأولى غالبا لا تنظر إلى التعدد كحق شرعي مجرّد، بل كاختراق لمجالها العاطفي وتهديد لبنيان حياتها الزوجية.

ولهذا، تتولد مشاعر الغيرة والخذلان، وتتحول المسألة من حق مباح إلى جرح وجداني.

 

هذا التوتر لا يتوقف عند الجانب العاطفي فقط. فالواقع الاقتصادي يلقي بثقله على الملف أيضًا.

 في ظل الغلاء ومحدودية الدخل، قد لا يكون الرجل قادرًا على توفير معيشة عادلة ومتساوية لزوجتين، فضلًا عن أولادهما.

 

ومع أن العدل المادي مطلوب، إلا أن الأعسر من ذلك هو العدل العاطفي، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم)

هذا العجز البشري في تحقيق الكمال العاطفي يجعل التعدد خيارًا محفوفًا بالخطر، إن لم يكن مقرونًا بوعي عميق ومسؤولية مضاعفة.

 

وما يزيد المسألة تعقيدًا أن بعض النساء، حين يواجَهن بخيار التعدد، قد يقررن البقاء، لا عن قبول داخلي، بل بدافع الحاجة، أو لغياب البديل.

 قد تكون بلا معيل، أو تفتقد مسكنًا آمنًا، أو تخشى التفكك الأسري لأبنائها. 

وهنا، يظهر الرجل في مفترق حرج: إما أن يكون رحيمًا، فيحفظ مشاعرها ويحتوي ضعفها بلطف وعدل، أو يتحول دون وعي إلى مستغل، يراهن على حاجتها ليستمر في علاقة غير متكافئة. 

وهكذا، يصبح الاختيار في ظاهره موجودًا، لكنه في عمقه منقوص، إن لم يدعم بكرامة وعدالة وظروف تتيح للمرأة أن تختار دون ضغط أو خوف.

 

إلى جانب ذلك، يسيء بعض الرجال استخدام هذا الحق، فيتخذونه ذريعة للهوى، أو يستخدمونه للهروب من مشكلات زوجية دون محاولة إصلاحها، أو يتهربون من شروط العدل.

 

وهكذا، يتحول التعدد من حل إنساني إلى أداة للهدم، مما يُنتج ردود فعل رافضة ليس فقط للتعدد، بل للتشريع الديني نفسه أحيانًا، حين يُساء تنزيله على الواقع.

 

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الرافضين للتعدد يفعلون ذلك بدافع من ثقافة مكتسبة، أو تراكمات شخصية، أو تصورات متحيزة، دون أن يعطوا الموضوع حقه من التفكير العقلاني المتزن.

 

وهذا ما يدعونا إلى التأكيد على أن نقاش التعدد يجب ألا يختزل بين طرفين متقابلين: من يرفعه كراية شرعية مغلقة، ومن يرفضه رفضًا شعوريًا صرفًا. فالحل لا يكمن في التطرف، بل في الاعتدال: الاعتراف بالمشروعية، مع المطالبة بالترشيد والوعي والحكمة في الممارسة.

 

التعدد مشروع، لكنه ليس مقدسًا فوق النقد، ولا هو ضرورة في كل حال. 

هو حل في بعض السياقات، ومشكلة في أخرى.

ولذا فإن التحدي الحقيقي ليس في السؤال: هل التعدد مباح؟

بل في السؤال الأعمق: هل نحن قادرون على ممارسته كما أراده الشرع، لا كما تمليه الأهواء أو الأعراف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...