||

المرأة والمعرفة: عبور من التغييب إلى التجلي

8 مايو، 2025

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI‬⁩

حب المرأة للمعرفة ليس رفاها عقليًا، ولا طموحًا اجتماعيًا؛ بل حاجة فطرية، تشبه حاجة الجذر إلى التربة التي تمنحه معنى الانتماء، وحاجة النهر إلى مجراه كي لا يتبدّد.

المعرفة بالنسبة لها ليست مفاتيح لفهم العالم، بل وسيلة لفك قيد قديم.

السؤال الذي يسكنها منذ أول لحظة وعي، ويتردد في داخلها كلما سُئلت عن نفسها: ماذا يمكن أن أكون لو أنني عرفت؟

 

حين تسعى المرأة إلى المعرفة، لا تفعل ذلك كمن يقتحم أرضًا جديدة، بل كمن يعود إلى ذاته التي ابتعدت عنها طويلا دون أن تنتبه.

المعرفة ليست عبورًا نحو الخارج، بل انكشافًا على الداخل؛ عودة إلى ملامحها التي تلاشت في الزحام، وإلى صوتها الذي لم يُمنح الفرصة كي يُقال.

 

تقرأ لا لهروبٍ من واقع، بل لاستعادة ملامح وجود خفتت وسط الضباب.

كل فكرة تصلها ليست معلومة تضاف، بل خيط يربطها بما فُصل عنها، خطوةً في درب التجلي، ولمسةً تعيد لها حضورها العميق.

 

لم يكن طريقها إلى الفكر ممهّدًا.

لم تشجع على السؤال، ولم يُنتظر منها أن تفكر.

مشت في الدرب وحدها، لا لأن الوحدة فرضت عليها، بل لأنها اختارت أن تصغي إلى صوتها الداخلي، وتمضي بمعرفتها في طريق لا يحده أحد سواها.

 

كتبت في لحظات انتزعتها من بين مشاغل الحياة، وقرأت في أوقات هادئة لم تكن مخصصة لذلك، لا لأنها كانت أقل أهمية، بل لأنها آمنت أن المعرفة لا تنتظر ترتيبًا أو وقتًا مخصصًا، وأن ما يُمنح للذات بصدق لا يحتاج إلى إذن من الزمن.

 

المعرفة، لها، ليست نُزهة ذهنية، بل ضرورة لنبضها الداخلي.

من دونها، يتشظّى وعيها، وتُختصر إلى مجرّد حضور جسدي.

تُقرأ من الخارج كما يُقرأ العنوان بلا متن.

أما حين تعرف، فهي تستعيد غناها الداخلي وتنوع أبعادها؛ لا تعود مرآة تعكس أعين الآخرين، بل نافذة ترى بها العالم بعينها هي.

 

ليست ضوءًا يغري بالبروز، بل وميضًا داخليًا يكشف الزيف، ويبقي الحقيقة حية في داخلها، صامدة رغم التجاهل.

إنها لا تمنحها تفوقًا، بل وعيًا؛ لا تغريها بالبروز، بل تمنحها وضوح الباطن، وصلابة الداخل.

 

حين تتعلم، لا تصبح أفضل بمعايير مفروضة، بل أصدق في عين نفسها.

تصبح أكثر تعاطفًا لأنها فهمت، تعاطفًا ليس بسبب الانحياز، بل نتيجة لفهم عميق لحقيقة الحياة وتجارب الآخرين.

يصبح تعاطفها معرفة حقيقية بما يعيشه الآخرون، وليس مجرد عاطفة عابرة.

تصبح أكثر صمتًا لأن المعنى أصبح كثيفًا وصعب التعبير عنه بالكلمات، وأكثر حزمًا لأنها لم تعد تحتمل أن تختصر إلى مجرد أفكار سطحية.

إنها لا تتغيّر حين تعرف، بل تتجلى.

تتكشف شيئًا فشيئًا، كما تستعاد ملامح وجه نُسي طويلًا تحت غبار النسيان.

 

المعرفة، في حياتها، ليست زينة تعلق، بل عمق يستعاد. 

لا تطلب أن يقال عنها مثقفة، بل أن تحس أن وعيها يتنفس، بعد اختناقٍ دام زمنًا.

إنها تفكر لا لتبتعد، بل لتقترب من ذاتها الأصلية، تلك التي حجبتها الأيام بلطف صامت.

 

ولهذا، فإن المرأة التي تفكر، لا تفعل ذلك لإعجاب، ولا لترف، بل لأنها تعرف، في عمقها، أن التجهيل قيد غير مرئي، وأن المعرفة أول نفس في هواء الحرية.

إنها لا تخرج عن ذاتها حين تفكر، بل تعود إليها أعمق، أوضح، وأكثر صدقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...