||

العاطفة من اللحظة الحسية إلى عمق المعنى؟

30 أبريل، 2025

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI‬⁩

في كل لحظة نعيشها، تجري فينا عمليات خفية لا نعيها، لكنها تصوغ وعينا وتشكل ذواتنا. 

تبدأ القصة من نقطة أولى، بسيطة وعميقة في آن، هي الإحساس. 

الجسد يسبق العقل في استقبال العالم، فيتلقى لمسة عابرة، صوتًا مفاجئًا، أو رائحة تعود من زمن مضى. هذه التجارب، رغم بساطتها، تترك آثارًا غير مرئية داخلنا، فتراكمها يشكل وعينا ويعيد تشكيل ذواتنا بمرور الوقت.

 

كل تجربة حسّية توقظ ومضة عصبية لا تحمل معنًى بذاتها، لكنها تومض كإشارة: هناك شيء يتحرك في الداخل.

 

ثم ينتبه الوعي. 

يتسلّل الشعور، كأنّ الذات تلتفت إلى داخلها وتهمس: انتبِه، ثمة شيء يحدث لك الآن. 

هنا نبدأ العبور من الإحساس إلى التمثيل النفسي، من الجسد إلى الذات.

 

لكن الإنسان لا يكتفي بالشعور. 

نحن لا نريد فقط أن نحس، بل أن نفهم. 

نسعى لتسمية الشعور، تفسيره، ربطه بما عشناه، نحذره إن كان مؤلمًا، ونتمسك به إن حمل لذّة مألوفة. وفي تلك المسافة بين الإدراك الحسّي والتفكير، تولد المشاعر.

 

المشاعر ليست انفعالات سريعة وعابرة، بل عمليات معقّدة تحمل في جوهرها طابعًا تفسيريًّا.

 فالحزن ليس ألمًا خالصًا، بل تأويل لفقدٍ مضى، أو خوف من فقدٍ آتٍ. 

والفرح ليس مجرد استجابة ممتعة، بل وعيٌ بأن العالم، في لحظة ما، يتناغم مع ما نحتاجه أو نرجوه.

 

من هذا التفاعل بين الإحساس، والتجربة، والذاكرة، تتشكّل لغة داخلية؛ لغة تعكس العلاقة بين ما نحن عليه، وما نطمح إلى أن نكونه. 

لكن هذه اللغة ليست موحّدة في نبرتها أو إيقاعها. 

بعضنا يختبر الشعور كحضور خام، يندفع به قبل أن يتمكن من تأويله، فيما يمرره آخرون عبر مصفاة الإدراك، فيعيدون تشكيله ضمن منظومة فكرية أو قيمية.

 

هذا التفاوت يعكس اختلافات في البنية العصبية والنفسية: عند بعض الأشخاص، تنشط اللوزة الدماغية سريعًا، فتتولد استجابات انفعالية مباشرة. 

وعند آخرين، تتدخل القشرة الجبهية، فتبطئ التفاعل، وتفسح المجال للتفكر والتحليل، ولهذا تختلف تفسيراتنا العاطفية. 

فثمة مشاعر تُفهم بتأويل سريع، مدفوع برغبة فورية لفهم ما يحدث داخلنا، لكنها قد تكون مشبعة بالذاتية، مليئة بالتحيّز، قائمة على الانطباع لا على المعرفة، بينما تولد تفسيرات أخرى عبر مسار أبطأ، أكثر وعيًا: تحليل، مقارنة، ترو، واستحضار للسياق.

 

بعض المعاني تنشأ من الحاجة الملحة للتفسير، لا من الحقيقة نفسها، ولذا قد تضلل، حتى لو بدت صادقة في أنفسنا.

 أما المعنى الذي يُبنى على استدلال عقلاني وتجريبي، فيقترب من الإدراك المتزن، ذلك الذي لا يخضع للمزاج اللحظي ولا للتشويش الإدراكي.

 

ثم يتدخل البُعد الاجتماعي والثقافي ليكمل المشهد. فالطفل الذي نشأ في بيئة تُكبت فيها المشاعر، سيتعلّم كيف يُخفي ذاته، في حين ينمو طفل آخر أُتيح له التعبير، بقدرة أوسع على فهم نفسه ومشاركة عالمه الشعوري. ومثلما نُصنع من محيطنا، نُصنع أيضًا من ثقافتنا. 

المجتمعات تُهندس العواطف بطرق صامتة: ما يمكن أن يُقال، وما يجب كتمانه. 

بعض البيئات تدفعنا نحو الشجاعة، وأخرى تُدرّبنا على الإنكار. 

وهكذا لا تُبنى مشاعرنا فقط من تجاربنا، بل من اللغة التي تعلمنا أن نروي بها هذه التجارب، ومن المساحات التي أُتيح لنا أن نشعر فيها بصدق.

 

هكذا لا تتكوّن مشاعرنا من داخلنا فقط، بل من الطريقة التي ندرب بها على الإحساس، والتعبير، والتفاعل. 

ومع تكرار التجربة، وتراكم الشعور، تنشأ العاطفة. فالعاطفة، بخلاف الشعور، ليست ومضة عابرة، بل نمط متكرر من التفاعل والانفعال. 

الخوف الذي لم يفهم، قد يتحوّل إلى عدسة نرى بها العالم. 

والحب الذي لم يُعش، قد يغدو حنينًا ضبابيًا يصعب الإمساك به.

 

بهذا المعنى، العاطفة لا تعكس ما نشعر به فحسب، بل تشكّل وعينا المستمر، وتضبط طريقة تفاعلنا مع أنفسنا، ومع الآخرين، ومع الحياة.

 

ومع ذلك، لا نصوغ ذواتنا في عزلة. 

مشاعرنا تتشكّل في شبكة من التفاعل: نظرة أم تملأ القلب طمأنينة، يد مرتجفة تُمسك بك في لحظة انكسار، رسالة لم تأتِ من شخص تنتظر منه الحضور، صمت في لحظة كنت تحتاج فيها إلى كلمة واحدة فقط… تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكن وقعها على النفس عميق.

 

نحن لا نشعر وحدنا، بل نشعر مع الآخرين، ومن خلالهم، وأحيانًا بسببهم. حتى الطبيعة ليست بريئة من هذا التكوين. 

غيمة رمادية، ضوء الغروب، صوت الموج، رائحة التراب بعد المطر… كلها محفزات تُثير فينا استجابات وجدانية معقّدة، ليس لأنها “تشعر”، بل لأننا نشحنها بالمعنى. الطبيعة، بهذا المعنى، ليست خلفية صامتة، بل شريك خفيّ في بناء وعينا الشعوري.

 

ولا يمكن تجاهل أثر اللغة في هذا البناء. 

فما لا نملك له اسمًا، لا نملك فهمه الكامل. اللغة لا تعبّر عن الشعور فقط، بل تنظّمه، وتفصله، وتمنحنا أدوات لفهمه والسيطرة عليه. 

القدرة على تسمية المشاعر ليست ترفًا، بل وسيلة لفهم الذات وتوجيهها.

 

نحن لسنا كائنات بيولوجية فحسب، ولا عقولًا مجرّدة. نحن وعي يتشكل باستمرار، عبر طبقات من الإحساس، والتجربة، والذاكرة، والتفسير، والعلاقة بالآخر. وهذا ما نُسميه: التجربة الإنسانية.

 

فالفرادة الإنسانية لا تكمن فقط في القدرة على الشعور، بل في تأمل الشعور، وتحويله إلى وعي، ومن الوعي إلى حكاية، ومن الحكاية إلى معنى، ومن المعنى إلى هوية.

 

في زمن يحتفى فيه بالسرعة والتشتّت والسطحية، يصبح الإصغاء لما نشعر به فعلًا تحويليًا مقاومةً في وجه التفاهة، دعوةً إلى العمق، وبحثًا عن فهم أصدق للذات، والآخر، والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...