||

اختلال التقدير المعرفي حين يشوش الانحياز العاطفي إدراك الحقيقة

29 مارس، 2025

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI

حين يختل ميزان الإدراك بين العقل و القلب، يجد الإنسان نفسه أسيرًا لتقديرات مشوشة تجعله يزن الأمور بغير حقيقتها. 

يمنح وزنه الأكبر لمن أوجعه، ويستخف بمن احتواه، يفتتن بفتات العاطفة ممن أذاه، ويزدري فيض الحب ممن وهب له كل شيء. 

وهكذا تتشكل العلاقات على أسس غير منطقية، حيث لا يرى الصادق إلا بعد فقدانه، ولا يُدرك المخادع إلا بعد التورط في أذيته.

 

يكمن في هذا السلوك صراع نفسي معقد، حيث لا يدرك الإنسان الواقع بعقل مجرد، بل من خلال عدسة مشاعره وتجربته. 

حين يمتزج الحب بالألم، تتكون روابط قهرية تجعل الشخص ينجذب لمن يخذله، معتقدا أن المعاناة هي الثمن الطبيعي للعاطفة. 

تلعب هنا ظاهرة الارتباط العاطفي غير الصحي دورًا محوريًا، حيث يصبح الألم جزءًا من الهوية العاطفية، مما يجعل الإنسان غير قادر على الانفصال عمّن يؤذيه. 

من ناحية أخرى، يتحكم تأثير الندرة في طريقة تقديرنا للعلاقات، فالعقل البشري مبرمج على تضخيم قيمة الأشياء التي تبدو نادرة أو صعبة المنال، بينما يبخس قيمة ما هو متاح بسهولة. 

حين يمنح شخص حبه بلا شروط، قد ينظر إليه على أنه غير ضروري، في حين يصبح البعيد، المتمنع، والمسبب للألم أكثر قيمة، لأنه يخلق وهما بأنه يحمل شيئا مميزا لا يُمنح إلا لمن يستحقه.

 

لكن التقدير المشوه لا ينشأ فجأة، بل يتراكم عبر مراحل من الإنكار والتبرير والانحياز التأكيدي. 

يبدأ الشخص بإنكار الحقائق التي تؤلمه، متمسكًا بوهم التغيير، ثم يبحث عن مبررات لسلوك الطرف الآخر، محاولًا إقناع نفسه بأنه لا يقصد الأذى. 

مع الوقت، يتحول الانحياز التأكيدي إلى سجن عقلي، حيث لا يرى إلا ما يدعم المشاعر المسبقة، بينما تُتجاهل الإشارات التي تدل على الحقيقة. 

وهكذا، يصبح الوهم أكثر إقناعًا من الواقع، حتى تأتي لحظة الإدراك المتأخر، حين تنكشف الأمور بعد فوات الأوان.

 

لكن متى يدرك الإنسان الحقيقة؟ وكيف يمكنه التحرر من هذا الوهم؟ الإدراك لا يحدث فجأة، بل يتطلب تفكيك التحيزات العاطفية واستعادة الرؤية الموضوعية. 

يبدأ الأمر بممارسة التفكير النقدي الذاتي، عبر التساؤل بصدق: هل تمنحني هذه العلاقة أكثر مما تأخذ مني، أم أنها تستنزفني ؟ 

لا بد أيضًا من التحرر من وهم النقص، والتوقف عن البحث عن التقدير ممن لا يمنحه، وإعادة برمجة العقل العاطفي لفهم أن الحب الحقيقي لا يشترى بالألم.

 

الحقيقة ليست بعيدة، لكنها غالبًا تكون مدفونة تحت طبقات من المشاعر المشوشة والتفسيرات الذاتية المنحازة.

 وحده من يمتلك الشجاعة لمساءلة نفسه بصدق، يستطيع أن يراها قبل أن يصبح الندم هو السبيل الوحيد لفهمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...