||

الهيمنة الإجتماعية والقيم المتناقضة: تأثيراتها على الأفراد في المجتمعات التي تروج للمظاهر وتتبنى نزعة التسلط

21 فبراير، 2025

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI

 

في المجتمعات التي تُقدِّر الهيمنة والنجاح الفردي على حساب القيم الإنسانية المشتركة، تصبح الديناميكيات الاجتماعية مشبعة بتصورات حدية متقلبة. 

يُنظر إلى الأفراد إما كأقوياء مهيمنين أو ضعفاء خاضعين، دون الاعتراف بالاختلافات الفردية أو التعقيدات النفسية. 

تشير الدراسات النفسية إلى أن الأفراد ذوي الحساسية العاطفية يعانون بشدة في مثل هذه البيئات، حيث يُعتبر التعاطف وفهم الآخرين ضعفًا، بدلاً من أن يُنظر إليهما كميزة معرفية أو اجتماعية. 

كما أوضحت إلين آرون (Aron, 1996)، فإن هؤلاء الأفراد يعالجون المحفزات العاطفية والبيئية بعمق أكبر، مما يجعلهم أكثر تأثرًا بالضغوط النفسية في المجتمعات التي تحتفي بالهيمنة كوسيلة لإثبات الذات.

 

الهيمنة في هذه المجتمعات ليست مجرد نزعة فردية، بل تُعتبر معيارًا للنجاح، حيث يتم الترويج لفكرة أن التفوق لا يتحقق إلا من خلال فرض الإرادة على الآخرين. 

تعزز الثقافات التي تُمجِّد السيطرة السلوكيات التنافسية الحادة، مما يقلل من قيمة الصفات التي تعتمد على الحساسية العاطفية والتفاهم. 

في ظل هذا الإطار، تصبح الحدود العاطفية غير مستقرة، فإما أن يكون الشخص قويًا قادرًا على فرض نفسه، أو يتم تصنيفه ضمن الفئات الهشة التي لا تستطيع التكيف مع متطلبات المجتمع. 

هذه التصورات الحدية تؤدي إلى خلق بيئات اجتماعية تُقصي الأفراد، وتجبرهم على إخفاء مشاعرهم أو الانسحاب خوفًا من الرفض والتهميش.

 

في الأسرة، يبرز هذا التوجه بوضوح عندما يُطلب من الأفراد الحساسين أداء أدوار داعمة دون الاعتراف باحتياجاتهم العاطفية. 

غالبا ما يُعتبرون مبالغين في ردود أفعالهم أو 

ضعفاء لمجرد أنهم يختبرون المشاعر بعمق أكبر. 

كما توضح دراسة آرون (Aron, 1996)، فإن الأطفال ذوي الحساسية العالية الذين ينشأون في بيئة لا تفهم طبيعتهم قد يعانون من إهمال عاطفي طويل الأمد، حيث يُمنعون من التعبير عن مشاعرهم بحرية، ويُطلب منهم التكيف مع معايير الهيمنة الأسرية التي تُمجِّد القوة وكبت العواطف. 

نتيجة لذلك، ينشأ هؤلاء الأفراد في حالة من التوتر الداخلي بين حاجتهم للتواصل العاطفي ومتطلبات المجتمع التي تفرض عليهم التكيف مع قيم الصلابة والقوة الظاهرية.

 

أما في بيئات العمل، فتظهر هذه التصورات الحدية المتقلبة من خلال الطريقة التي يُصنف بها الأفراد إما كقادة مهيمنين أو كأشخاص غير قادرين على تحمل الضغوط. الأفراد الحساسون، رغم امتلاكهم مهارات تعاطفية وقدرة على قراءة مشاعر الآخرين، غالبًا ما يُستغلون في تقديم الدعم العاطفي لزملائهم بينما يتم تهميش احتياجاتهم الخاصة. 

كما يشير دانييل جولمان (Goleman, 1995)، فإن الذكاء العاطفي يُعتبر في بيئات العمل التنافسية أداة لخدمة الفريق، 

وليس قيمة ينبغي الاعتراف بها وتقديرها. 

وهذا يقود إلى حالة من الاستنزاف النفسي، حيث يُطالب الأفراد الحساسون بلعب دور المساعد العاطفي دون حماية من الاحتراق العاطفي.

 

في المجتمعات التي تقدر الهيمنة، يصبح الخوف من الفشل أو الرفض دافعًا رئيسيًا لسلوكيات الزيف والتكيف القسري. 

الأفراد الذين ينشأون في بيئات تفرض معايير نجاح صارمة يميلون إلى إخفاء مشاعرهم الحقيقية للحفاظ على صورتهم الاجتماعية. 

هذا التكيف القسري يؤدي إلى تفاقم القلق والضغط النفسي، حيث يُجبر الأفراد على العيش في حالة انفصال بين هويتهم الداخلية والمتطلبات الخارجية التي تفرضها البيئة الاجتماعية.

 

على مستوى أعمق، تعكس هذه البنية المجتمعية نوعًا من التكيف الاجتماعي الذي يعزز الأنانية والسلوكيات الفردية على حساب الروابط الإنسانية. 

المجتمعات التي تركز على النجاح الفردي تحفز الأفراد على اتخاذ قرارات تخدم مصالحهم الشخصية حتى وإن كانت على حساب الآخرين. 

في ظل هذه القيم، يُقوَّض التعاطف، وتُعتبر الحساسية العاطفية عبئًا، مما يجعل الأفراد الحساسين عرضة للعزلة والاغتراب النفسي.

 

لكن رغم ذلك، فإن هذه الديناميكيات ليست حتمية، بل هي انعكاس لقيم اجتماعية قابلة للتغيير.

 وكما توضح أبحاث آرون (Aron, 1996)، فإن الحساسية العاطفية يمكن أن تكون مصدرًا للإبداع والابتكار إذا تم الاعتراف بها كقوة بدلاً من أن تُعتبر نقطة ضعف.

 إعادة التفكير في القيم المجتمعية بحيث تشمل التقدير الحقيقي للعاطفة والذكاء الاجتماعي يمكن أن يخلق بيئات أكثر توازنًا، حيث لا يتم تصنيف الأفراد ضمن ثنائيات حادة بين القوة والضعف، بل يُنظر إليهم ككيانات معقدة تمتلك نقاط قوة مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...