||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الإنسانية ليست شعارًا يُرفع ولا كلمات تُصاغ بحنكة لغوية، بل هي جوهر يتجلى في الفعل، في الطريقة التي يُعامَل بها الآخر، لا حين تكون الظروف مريحة، بل حين يصبح الاختبار حقيقيًا.
حين يُتاح للمرء أن يبطش لكنه يختار العدل، أن يهين لكنه يختار الرحمة، أن يتم إغواؤه لكنه يختار أن يكون نزيهًا، أن يسيء لكنه يختار أن يكون إنسانًا.
ومع ذلك، يبدو أن البعض يجيد التحدث عن القيم لكنه في الممارسة يتقن نقيضها، يطالب بالعدل لكنه يمارسه انتقائيًا، يتغنى بالكرامة لكنه يساهم في سحقها حين يملك السلطة.
فهل هو حقًا غياب للفهم، أم أن المسألة أعمق، متجذرة في طبيعة النفس البشرية وفي طريقة تشكل المجتمعات؟
إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية النفس، نجد أن الإنسان كائن معقد تحكمه تناقضات بين ما يؤمن به وما يفعله.
هناك قوى داخلية خفية تدفعه إلى تبرير القسوة حين تكون في صالحه، وإلى خداع نفسه بأنه مختلف عن أولئك الذين يمارسون الظلم، بينما قد يكون لا يختلف عنهم إلا في لغته.
العقل الباطن يفعّل آليات نفسية تتيح له الهروب من مواجهة ذاته، فيسقط عيوبه على الآخرين، أو يجد تبريرات لسلوكه تجعله يبدو صائبًا في نظر نفسه، أو حتى ينكر الحقائق التي تهدد صورته عن ذاته.
الإنسان ليس كيانًا يسير وفق المبادئ وحدها، بل هو شبكة معقدة من الدوافع والمخاوف والمصالح، وهنا تولد الازدواجية التي تجعله قادرًا على التناقض دون أن يشعر بالذنب.
لكن الفرد لا يوجد في عزلة، بل هو جزء من نسيج اجتماعي يفرض عليه أنماطًا من التفكير والسلوك. المجتمعات تُنتج ثقافتها الأخلاقية بناءً على ما يحفظ استقرارها.
يعتاد الناس الظلم حين يصبح جزءًا من البنية، يبررونه حين يحقق لهم استقرارًا، يشاركون فيه أحيانًا لأن مقاومته مكلفة، وهكذا يصبح ادعاء الإنسانية ممارسة جماعية بينما تبقى الحقيقة أمرًا هامشيًا لا يسعى إليه الكثيرون.
ليس لأنهم لا يفهمونها، بل لأنهم لا يريدون رؤيتها، لأن الحقيقة غالبًا ما تكون غير مريحة، لأنها تتطلب مواجهة الذات والاعتراف بأن ما ندينه في الآخرين قد يكون جزءًا مما نمارسه نحن، حتى لو بطرق أقل وضوحًا.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل الإنسان يبحث حقًا عن الحقيقة أم عن ما يريحه؟ ليس كل ما هو واضح يتم الإقرار به، فالبشر غالبًا ما يتجاهلون الحقائق التي تهدد استقرارهم النفسي أو مكانتهم الاجتماعية.
بعضهم يفضل الأوهام المريحة على الحقائق المزعجة، ويعيد تشكيل الواقع وفقًا لما يتناسب مع رغباته لا مع ما هو صائب.
لهذا، فإن المشكلة ليست دائمًا في الفهم، بل في الإرادة.
ليست الإنسانية مجرد إدراك لما هو صحيح، بل هي شجاعة الالتزام به، حتى عندما يكون ذلك مكلفًا.
وهنا، يظل السؤال مفتوحًا: من يملك هذه الشجاعة حقًا؟
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020